حرب أوكرانيا كشفت أن العولمة لها أنياب أمريكية | رأي اليوم – raialyoum

م. أمين حماد

المتتبع للأحداث بين و روسيا و أوكرانيا يجد جليا مخاطر العولمة و التي كما أن لها فوائد فإن لها سلبيات كثيرة كانت تظهر كلما حدثت مشاكل دولية، و لكن لأنها الآن تؤثر على بلد في غاية الأهمية مثل روسيا، فأعراضها واضحة.

قبل عام ١٩٩٠، أي قبل تفكك الاتحاد السوفييتي. كانت تلك الدولة تعيش وراء ما كان يعرف بالستار الحديدي، معزولة تماما عن الدول الأخرى و اقتصادها إلى حد كبير منفصل عن الاقتصادات الأخرى.

و لكن بعد تفكك تلك الدولة و انفتاح روسيا على العالم تشابك اقتصادها مع الدول الأخرى ضمن اقتصاد عالمي تتحكم به أمريكا.

ما إن غضبت أمريكا عند بدء الحرب على أوكرانيا، قامت بطرد روسيا من نظام سويفت المالي، و قامت الشركات الأمريكية التي تواجدت في موسكو و المدن الروسية الأخرى بعد عام ٩٠، مثل مكدونالدز و كوكاكولا و دي إتش إل و شركات الإنترنت و غيرهم بتجميد أعمالهم، و هذه الشركات لم تكن تقدم خدمات للروس سواء كانت أساسية أم ثانوية، و إنما كانت و لازالت توظف عشرات الآلاف من الأيادي العاملة الروسية وتدفع الضرائب للحكومة هناك. كما أن وسائل التواصل الجتماعي هي من الأهمية بمكان بحيث أنها ليست فقط إحدى وسائل الترفيه، بل هي وسيلة لتواصل الأقارب و الأصدقاء كما أنها وسيلة لبث الأخبار الصادقة و الشائعات الكاذبة بسرعة كبيرة.

من هنا نجد أن أمريكا تتحكم فعليا ليس فقط في اقتصادات الدول عن طريق شركاتها التي تنفذ أوامر الحكومة الأمريكية، بل أيضا بالتوظيف و كذلك بأدوات التسلية و نشر الأخبار و الشائعات و البريد السريع.

و عليه فإن الواضح أن روسيا أيام الاتحاد السوفييتي كانت من الناحية الفعلية من حيث اعتمادها على نفسها و عدم وضع قراراتها الاقتصادية و الإنتاجية بأيادي خارجية، أحسن وضعا من الآن. و لكن قبل ٢٤ فبراير ٢٠٢٢م، كان الوضع بالنسبة للاقتصاد و كذلك بالنسبة للمواطن الروسي من حيث السيولة المالية أفضل، و لكن خارج تحكم الحكومة الروسية.

و بناء على ذلك نرى أن دخول روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي (و ظهور ما يعرف بالاتحاد الروسي) نظام العولمة كان معناه فقدان القدرة على السيطرة الاقتصادية و المعلوماتية للبلد و تسليمه و لو جزئيا لأمريكا، و إن كان ظاهريا أعطى بعض الرخاء الفعلي للشعب. و لقد ثبت أن العولمة هذه ما هي إلا أداة بيد أمريكا تعاقب بها من تشاء في أي وقت. و لقد وصل الأمر ببعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أنهم طالبوا بمصادرة الذهب المحفوظ في أمريكا و الذي يستخدم لدعم الروبل.

و تعريف العولمة كما هو حادث أنها عبارة عن بوتقة أمريكية و لها غطاء بيد أمريكا، تضع كل دول العالم إمكانياتها فيها، لصهرها فتصبح امكانيات متاحة للجميع، لكي تتشارك الدول بامكانيات بعضها البعض و لكن بإذن الأمريكان فقط، فما أن تغضب أمريكا على دولة ما، تقوم بوضع الغطاء على البوتقة عندما تطلب تلك الدولة جزء من الإمكانيات الموجودة.

فعلى سبيل المثال، يقال أنه ليتم تصنيع سيارة واحدة فإن المصنع يحتاج إلى حوالي أربعة آلاف قطعة مختلفة يشتريهم من دول مختلفة، لأن بلده لا تصنعها لأسباب عدم القدرة التقنية أو لأن شراءها جاهزة أرخص. في هذه الحالة لو تم فرض حصار أمريكي على الدولة فانها لن تستطيع تصنيع السيارات لأنها لن تستطيع شراء القطع بسبب الحصار.

و كان هذا واضحا في الصناعات السوفيتية حيث كانت سياراتهم اللادا و طائراتهم المدنية دائما متخلفة عن تلك التي يتم تصنيعها في أوروبا و أمريكا، لأنها كانت محرومة من الوصول إلى قطع ذات تقنية عالية و مقبولة في السعر للمواطن الروسي.

و هذا يشبه تماما ما حدث في غزة، عندما فرض الكيان المؤقت الحصار، فأصبح صعبا أن تصنع شيئا دون شرائه أو شراء مادته الخام من الكيان أو استيراده عن طريق الكيان بما في ذلك الكهرباء و البذور و المواد الأساسية، فأصبحت غزة تعاني في توفير الكثير من المنتجات المحلية و المستوردة لأنها  تعتمد على الكيان المعادي في كل شيئ، و هو الذي يحاصرها، و يضع مئات المسميات من مواد خام أو مصنعات ضمن قائمة المحظور دخوله إلى القطاع بحجة أنه من المواد التي لها استخدام مزدوج عسكري و مدني، و بالتالي أصبح الوضع الاقتصادي عندنا يعتمد بشكل كبير على عدونا بالاضافة الى الاعتماد على دول كثيرة.

بل أن قطاع غزة و في إطار معاناته من عقوبات العولمة، فإنه يخضع لعقوبات اقتصادية على مستوى المؤسسات و الأفراد، حيث أن البنوك ترفض تحويل أموال عائلية أو شخصية إلا في حدود معينة و يعتبرها الناس هنا قليلة، و لقد وصل الأمر الى أن التحويل عبر البنوك بين غزة و الضفة يخضع لشروط تعقيدية. و هذه العقوبة أثرت جدا على تحويلات مؤسسات المجتمع المدني و الأفراد في الخارج إلى أهاليهم و كذلك تحويل الصدقات و الزكوات من أهل الخير إلى القطاع، و هذا كله بسبب الحصار الذي بدأه الكيان المؤقت و طبقته حليفاتها ابتداء بأمريكا معتبرين القطاع كيان إرهابي متمرد.

و لكن قياداتنا أيضا و بسبب سوء الوضع الاقتصادي و اجتهادا منها في البحث عن حلول للشعب، فإن الواضح أنها وقعت في خطأ رهن حركة العجلة الاقتصادية بيد العدو، فعندما طلبت حماس زيادة تصاريح العمال للعمل في الكيان الى خمسين ألفا، فإن هذا سيعمل على تحسن وضع الناس و الاقتصاد في القطاع و لكنه يضع التحكم بيد الكيان المؤقت حيث يستطيع معاقبة القطاع في أي وقت بمنع العمال، و الذين عادة يتقاضون راتب بشكل يومي، و بالتالي فإن كل يوم يمنعون فيه من العمل سيكون خسارة لهم و لاقتصاد القطاع.

الفرق بيننا و بين روسيا هو أن روسيا كانت قد عملت احتياطاتها للحصار الاقتصادي مسبقا، ناهيك عن أنها دولة كبيرة تنتج معظم موادها الخام، أما قطاع غزة، فقد ثبت أنه ليس لدى من يفرضون أنفسهم قيادات على الشعب، القدرة على إيجاد حلول جذرية للبطالة و الهجرة و التعليم و غير ذلك من مشاكل الشعب قصيرة و بعيدة المدى.

غزة – فلسطين

source

اترك تعليقاً