تقدير جهود السابقين من خدَمة العلم وأهله من الشيم البارقة في قيمنا الأخلاقية، وفي حضارتنا الإسلامية، وخاصة ممن نأت بهم مجاورة الكتب والقراطيس عن الوفاء بحاجاتهم أو الاستزادة من ضرورياتهم، وهؤلاء قلة القلة في تاريخ المكتبة الإسلامية، ونعني بهم صنّاع الفهارس والمعاجم والطبقات والذيول والتكملات، وكما كان لنا في الماضين ابن النديم والسمعاني وياقوت الحموي وابن خلكان  والذهبي والسبكي والسيوطي، وفي المحدثين  إسماعيل باشا البغدادي وحاجي خليفة ويوسف سركيس،  ومن المعاصرين  عبد السلام بن سودة المري وخير الدين الزركلي وعادل نويهض، ورجل هذه الورقة عمر رضا كحالة عليهم رحمة الله أجمعين.

إن الفاه ليضل فاغرا واليد مرتعشة من تتبع سيرة هؤلاء الأفذاذ الذين أفنوا سوادهم وبياضهم وليلهم ونهارهم وحلهم وترحالهم في صناعة فن المعجمية الأعلامية أو الكتبية  بالغوص  في مئات المجلدات من كتب التاريخ والتراجم والطبقات والأشعار والأدب، وما استجد في عالم الصحافة، وما ورد من مكتوبات المستشرقين الذين ثوت في مراكزهم آلاف المخطوطات المفقودة، فرهنوا حياتهم بالسكنى في المكتبات ليخرجوا لنا هذه المعاجم التي لا تستغني عنها رسالة أكاديمية ولا بحث رصين، وذلك قبل ثورة المعلوماتية وتوفر الحواسيب المسهلة لكل صعب والمقربة لكل بعيد والكاشفة عن كل مستور. فضلوا الملتحد الأكبر لكل باحث في التراث الإسلامي العريض.

ولد صاحبنا عمر بن رضا بن محمد راغب بن عبد الغني كحالة في دمشق الفيحاء سنة (1323ه-1905م). وهو من منبت أصيل، وسليل لأسرة دمشقية راسخة القدم في التجارة، حيث باشر حياته التعليمية في كتاتيبها، ثم التحق بالمدرسة السلطانية بها أيام حكم العثمانيين، وهي قديمة البناء فقد أنشأها سلطان حلب الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي (ت 613ه)، وأتمها ابنه الملك شهاب الدين طغرل سنة (620ه)، وتعتبر من روائع المعمار الإسلامي، وظلت تؤدي عملها التعليمي مع نظيرتها المشهورة كالجقمقية، القيمرية، النجيبية، العادلية، والشامية، العمرية، الفردوس، والظاهرية. وكانت المدرسة السلطانية بمثابة الجامعة في أيامها-على الرغم من تصنيفها كثانوية- فهي دار المعلمين، وفيها درّس الأساطين أمثال محمد البشير الإبراهيمي، ومنها تخرج الكاتب الأديب الحقوقي علي الطنطاوي. كما تقلب عمر رضا كحالة شابا في الانتساب إلى الصروح القائمة آنذاك مثل ثانوية مكتبة عنبر، والمدرسة التجارية، وبعدها انتسب إلى الجامعة العربية بعالية بلبنان، وبين كل ذلك كان ينهل من حلق العلم التقليدية  المشيخية بدمشق، وبعد ما استواء سوقه العلمي، ويأسه من مباشرة التجارة والنجاح كأسلافه فيها بعد تجربة قصيرة  في إفريقيا الغربية عاد إلى دمشق سنة (1929)، وكتب في مجلة “ألف باء” مقالات رائعة، ثم استقر به النوى في المكتبة الظاهرية -وهي المكتبة التي جاور بها أيضا المحدث ناصر الدين الألباني-   وترقت به المناصب  لمدة ربع قرن منذ عينه محمد كرد علي إلى أن صار مديرا لها بالوكالة، وهذه المكتبة من مفاخر ومآثر العلامة طاهر الجزائري التي جمع فيها عديد المخطوطات من المكتبات الدمشقية الخاصة بدمشق حتى لا تطالها أيادي النسيان أو الإتلاف، وهو ما تم أيام مدحت باشا في أواخر القرن التاسع عشر. وظلت هذه المكتبة إضافة إلى دار الكتب القومية بمصر ونظيرتها بالعراق وسليمانية إسطنبول وخزانة الرباط العامة والحسنية من أهم روافد المخطوطات العربية.

وقد هيأت المكتبة الظاهرية لعمر رضا كحالة أجوائها للاطلاع على التراث الإسلامي العريض بالمطالعة والتحقيق والتأليف ومراسلة أعيان العصر، وهو ما مكنه من إنجاز أعماله العلمية، ودافعه في ذلك الحرص والحب لمآثر المسلمين، وحافزه في ذلك أيضا التضحية بالعلاقات الاجتماعية، فقد كان قليل الخلطة، كثير الفكرة، فلم يكن له أصدقاء كثيرون غير العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان، والدكتور صلاح الدين المنجد، وهو في هذا يضاهي أدباء  وعلماء منزوين ومكتفين أمثال طاهر الجزائري وعباس محمود العقاد.

كما كانت أسفاره معدودة ولأغراض العلم والبحث والتنقيب عن الفهارس والنوادر، وكذا التجارة والاستكشاف، فقد سافر لبريطانيا سنة (1927)، كما سافر للبنان ومصر والعراق وبلاد الحرمين، وزار مرتحلا وتاجرا غرب إفريقيا (نيجريا وسيراليون) أيام الاحتلال البريطاني لهما.

تعددت اهتمامات الموسوعي عمر رضا كحالة إلى حقول معرفية كثيرة، واكب فيها الحراك العلمي المتفجر في البلاد العربية في القرن الماضي. وترك أزيد من سبعين كتابا في مختلف الحقول المعرفية، والتي يمكن سبرها وتقسيمها إلى الآتي.

التعجيم والتأريخ والفهرسة

  • معجم المؤلفين: وهو الكتاب والمصدر قيد التعريف.
  • المنتخب من مخطوطات المدينة. حيث فهرس بعضا من مكتبة عارف حكمت وغيرها بالمسجد النبوي.
  •  معجم مصنفي الكتب العربية في التاريخ والتراجم والجغرافيا والرحلات.
  •  معجم قبائل العرب القديمة والحديثة. جغرافية شبه جزيرة العرب.
  •  فهارس مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق. حيث نشر في هذه المجلة مقالات كاثرة.
  •  تاريخ معرة النعمان، للعلاّمة الشيخ محمد سليم الجندي، حيث قام بدراسته وتحقيقه وإخراجه.
  • سيف الله خالد بن الوليد، جاهليته وإسلامه.
  •  إفريقيا الغربية البريطانية، وفيه عرّف بالبلدان التي احتلتها بريطانيا كنيجيريا وسيراليون وغيرها.
  •  الأدب العربي في الجاهلية والإسلام. العالم الإسلامي، العرب قبل الإسلام، العرب من هم وما قيل فيهم.

الدراسات الفلسفية والاجتماعية

  •  العلوم البحتة في العصور الإسلامية، معه العلوم العملية في العصور الإسلامية.
  •  الفلسفة الإسلامية. وأيضا الفلسفة الإسلامية وملحقاتها.
  • الفنون الجميلة في العصور الإسلامية.
  •  دراسات اجتماعية في العصور الإسلامية، ومباحث اجتماعية في عالمي العرب والإسلام.

قضايا المرأة

حيث زبر فيها عديد المكتوبات مثل:

  •  الزنا ومكافحته، النسل والعناية به. الزواج.
  •  المرأة في عالمي العرب والإسلام، المرأة في القديم والحديث.
  •  أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام.
  •  الجمال البشري. نبذ في وصف جمال المرأة العربية. الحب.

كما نشر عديد المقالات الماتعة النافعة في مجلة مجمع  العلمي العربي  بدمشق، وكانت هذه المقالات إضاءات وقادة في التعريف بعديد المعاجم والكتب والمخطوطات والمؤلفين، مثل المستدرك على الكشاف عن مخطوطات خزائن كتب الأوقاف، وفهارس المخطوطات بخزانة قاسم الرجب ببغداد، ومكتبة رضا برامبور، ومكتبة حكمت عارف بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة، ومعجم المؤلفين العراقيين لكوركيس عواد، إضافة إلى الأعلام الجغرافية والمدن والمناطق العربية كينبع والرياض ونجد وعدن ووادي الفرات وغيرها. هذا فضلا عن تعريفه بعديد النشرات والمقالات والتحقيقات التي تصدر في أيامها، وبلغت مقالاته في مجلة المجمع ثلاثا وثمانين مقالة، حيث كان عضوا فاعلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، كما أهلته قدراته وحضوره العلمي لينتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، ونال عضوية معهد التراث العلمي بحلب، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية. وتقديرا لجهوده الجبارة في التأليف والتحقيق والفهرسة منح وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى سنة (1982).

لكن أهم علمي خلد اسمه في الذاكرة الثقافية المعاصرة هو موسوعته الفذة: “معجم المؤلفين” الذي ألَّفه في مدد متطاولة، وحشد فيها عصارة قراءته ومطالعاته المطولة وتنقيبه العجيب. وقد صدرت طبعاته الأولى بين الأعوام (1376 -1381 ه) في خمسة وعشرين جزء عن المكتبة العربية بدمشق، ثم صدر في خمسة عشر جزء ضمن (8) مجلدات، وآخر طباعة له ما أصدرته دار الرسالة سنة (1406)، ثم ضمت إليه المستدرك الذي أنجزه عمر رضا كحالة على مؤلفه الأصلي بعنوان “المستدرك على معجم المؤلفين”، وطبعتهما سنة (1414).

وأما طريقته في التأليف في هذا المعجم الواسع فهو يترجم بإيجاز لمصنفي الكتب العربية منذ بدء التدوين إلى عصره مفتتح القرن الخامس عشر الهجري، واهتم فيه بإيراد المؤلفات بالأصالة، ولو كان للمؤلف كتابا واحدا. ولم يخله من الترجمة لبعض الشعراء ممن توزع شعرهم في مختلف الدواوين المخطوطة والمطبوعة.

فيبدأ بذكر اسم المؤلف وشهرته، وتاريخ الميلاد والوفاة بالهجري والميلادي، ودرجته إن كان مشاركا أو مختصا، وبعض المناصب التي تولاها كالقضاء والفتيا والتدريس والوزارة، وأحيانا رحلته، وإن كان المؤلف مكثرا فيذكر بعض كتبه الدالة والمبرزة لتخصصه، ويلحق ذلك ببيان المخطوط منها والمطبوع، وأحيانا أماكن وجودها ومظان خزائنها.

وأما مصادره، فكثيرة متنوعة بين الفهارس والمخطوطات والكشافات وكتب التراجم والطبقات وتاريخ المدن، ففي كل ترجمة يذكر مصادره من مخطوطات أو مطبوعات أو مجلات أو جرائد بأجزائها وصفحاتها وورقاتها.

واعتمد فيه الترتيب الألفبائي للأسماء، وأما في الفهارس أو ما سماه بالإحالات، فاعتمد لقب الشهرة مع إسقاط الزوائد. مع الإشارة إلى الجزء والصفحة التي ورد فيها اسم المؤلف مما يجعل البحث فيه من السهولة بمكان.

توفي عمر رضا كحالة بدمشق سنة (1408ه-1987)، بعد اثنين وثمانين سنة حافلة بالعطاء والمد العلمي الذي رفعه إلى مصاف الكتاب الكبار المؤثرين في تاريخ المعجمية والفهرسة للمكتبة الإسلامية العريضة.