مصالح متشابكة.. كيف ستتعامل دول الخليج مع حرب روسيا وأوكرانيا؟

لماذا تتأثر دول الخليج بتداعيات الأزمة الأوكرانية؟
لأنها ترتبط بعلاقات متشابكة مع أطراف النزاع الدائر بين روسيا والغرب.
ما المخاوف الخليجية المباشرة من اندلاع الحرب؟
التدخل الأمريكي لصالح أوكرانيا قد يدفع روسيا لضرب القواعد الأمريكية في الخليج.
لماذا تجد دول الخليج نفسها في قلب التوترات الدولية بين روسيا والغرب؟
كونها أكبر مورد للطاقة في العالم، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي المهم.
يلقي التصعيد العسكري الروسي في أوكرانيا بظلاله على مناطق واسعة من العالم، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي ترتبط بعلاقات متشابكة مع أطراف النزاع الدائر بين روسيا والغرب.
وتجد الدول الخليجية نفسها في قلب التوترات الحاصلة بين روسيا والغرب في السنوات الأخيرة، باعتبارها أكبر مورد للطاقة في العالم، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي المهم، إلى جانب العلاقات القائمة والتحالفات بين الأطراف المختلفة.
وبعد يوم مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاثنين 21 فبراير 2022، الاعتراف باستقلال منطقتي “لوغانسك” و”دونيتسك” عن أوكرانيا، بعث برسالة إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني “تتعلق بالقضايا المشتركة والعلاقات الثنائية وسبل تعزيزها”.
من جهته أعلن مجلس التعاون، في بيان، أن دول الخليج “تتابع بقلق تطورات الأحداث الجارية في أوكرانيا، وتؤكد تأييدها لكافة الجهود الرامية لحل الأزمة من خلال الحوار والدبلوماسية”، مؤكداً دعمها “للجهود الدولية المبذولة لتخفيف حدة التوتر والتصعيد والشروع في إجراءات التهدئة بما يكفل عودة الاستقرار ويفسح المجال أمام إجراء مباحثات سياسية تفضي إلى حل سياسي للأزمة”.
لكن بوتين ألقى بنداءات العالم وراء ظهره، وبدأ جيشه، فجر الخميس 24 فبراير، “عملية عسكرية خاصة” في أوكرانيا بزعم حماية إقليم دونباس الانفصالي، داعياً الجيش الأوكراني لإلقاء أسلحته.
وتعد أوكرانيا إحدى أهم الدول التي استثمرت فيها دول الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة، خاصة في القطاع الزراعي وقطاعات أخرى، حيث وقع العديد من اتفاقيات الشراكة التي تطورت بشكل ملحوظ.
وتولي كييف اهتماماً كبيراً لتطوير تلك العلاقات، لا سيما في المجال الاقتصادي، كان آخرها إصدار رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، في أغسطس 2020، مرسوماً يعفي مواطني دول الخليج من التأشيرة عند دخول بلاده، بحسب صحيفة “إندبندنت عربية”.
ورغم الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة فإن الدول الخليجية حرصت على إقامة علاقة متوازنة مع روسيا، وتمكنت الإمارات من زيادة تجارتها مع موسكو بنسبة 78% مقارنة بعام 2019، ووقع كلاهما إعلان شراكة استراتيجية لتعزيز مختلف جوانب العلاقة، مثل استقرار سوق النفط ومكافحة الإرهاب.
ويشير المركز العربي للبحوث والدراسات إلى أن روسيا قد سعت إلى بناء علاقات تعاون اقتصادي أقوى مع دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال جذب استثمارات واسعة النطاق منها، مما يعني أن الخسائر الاقتصادية داخل روسيا ستؤثر سلباً على دول المجلس أيضاً.
وإذا نظرنا إلى قطر فقط، ففي عام 2019 أصبح صندوق الثروة السيادية القطري وجهاز قطر للاستثمار مساهماً في شركة “روسنفت” في أعقاب خصخصة شركة النفط الروسية العملاقة التي تسيطر عليها الدولة، في أواخر عام 2016. ويمتلك جهاز قطر للاستثمار الآن حصة 19% في تلك الشركة.
ويضيف تقرير المركز بأن الاستثمارات الروسية الأخرى لقطر -ومن ضمن ذلك شراؤها عام 2013 حصة بقيمة 500 مليون دولار في بنك VTB، وحصة بنسبة 25% في مطار بولكوفو في سانت بطرسبرغ- يضع قطر في موقف صعب بشأن مع من تقف في الوقت الحالي.
ومن خلال مشاركتها في “أوبك +”، تظل روسيا لاعباً مهماً في سوق الطاقة لدول مجلس التعاون، وخصوصاً السعودية، وبالاتفاق المتبادل سيواصل أعضاء “أوبك +” برنامجهم لزيادة الإنتاج الشهري التدريجي في فبراير 2022، وهو قرار تم التوصل إليه بشكل مشترك بين موسكو ودول الخليج.
ورفعت القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج حالة التأهب مع بوادر الحرب المحتملة بين روسيا وأوكرانيا الحليفة للولايات المتحدة.
وتنقل شبكة “روسيا اليوم” عن المحلل السياسي ألكسندر نازاروف، في مقالة نشرت في 11 فبراير 2022، أنه في حالة نشوب صراع عسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا فإن أي استخدام لقواعد واشنطن في شرق البحر الأبيض المتوسط أو الخليج في الهجوم سوف يجعل من تلك المناطق الواقعة في نطاق الصواريخ الروسية “مرمى مناسباً لهذه الصواريخ”.
ويحذر المحلل الروسي من أن استخدام هذه القواعد “يجعل هذه الدول أهدافاً مشروعة للرد العسكري الروسي، كما أنها توفر ذريعة مشروعة لتدمير منشآتها النفطية والغازية بشكل كامل”، على حد قوله.
ويستدرك بالقول إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنع روسيا من القيام بذلك هو أن تظل دول الخليج مورداً رئيسياً للنفط والغاز للصين الصديقة لروسيا، لكن هذا يعني رفضها لواشنطن في محاولاتها لاستبدال الإمدادات الروسية في أوروبا، وهذا يعني صراعاً حاداً بين هذه الدول وواشنطن.
ويرى المحلل السياسي الكويتي عبد العزيز سلطان أن علاقة دول الخليج مع روسيا أيام الحرب الباردة تختلف عن علاقتها اليوم، رغم أنها حتى الآن “ما زالت علاقات سطحية، لكنها شهدت تغيرات كبيرة، وتعد السعودية من أكثر دول الخليج التي تتمتع بعلاقات ودية ومصالح تجارية مع روسيا”.
ويتابع في حديثه مع “الخليج أونلاين” أن العلاقة بين الخليج وروسيا “علاقة مصلحية ما زالت في بدايتها، حيث تخشى دول الخليج من أن تتدخل ما بين الروس وبين علاقتها بالغرب، لأن دول الخليج لديها مصالح وشراكات استراتيجية ودفاعية وأمنية مع حلف الناتو، وأيضاً مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية”.
ويشير سلطان إلى أنه خلال عام 2016 أصبح لدول الخليج علاقات جيدة مع الروس بحكم أن الأخيرة بدأت تدخل في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في ملفات سوريا وليبيا واليمن.
ويصف المحلل السياسي هذه العلاقة بأنها “حذرة جداً”، حتى إن السعودية رفضت مؤخراً أن تزيد إنتاج النفط بعد دعوة الرئيس الأمريكي إلى تخفيض أسعار البترول؛ “بسبب المصالح المشتركة بين المملكة والروس، ولدعم اقتصادها من خلال العملات الصعبة”.
ويعتقد سلطان أن “الروس أصبحوا شركاء استراتيجيين مع دول الخليج والمنطقة، خاصة في بعض الملفات السياسية مثل ملفات سوريا واليمن وليبيا، وكذلك في بعض الملفات الدبلوماسية، إضافة إلى الملفات الخاصة بالتسليح، وكذلك العلاقات التجارية التي شهدت تقدماً خلال السنوات الأخيرة، وكل ذلك جعل روسيا تصبح لاعباً مهماً تحتاج دول الخليج إلى وجوده لتهدئة أوضاع المنطقة”.
ويرى أن الملف السوري قد يشهد في المستقبل القريب حلولاً، “وقد تخرج القوات الروسية من سوريا، ويتغير بشار الأسد مقابل ألا يتدخل الغرب في موضوع أوكرانيا، كما أن اعتراف الروس باستقلال منطقتين انفصاليتين في أوكرانيا يوحي بأن الروس مقدمين في موضوعهم الجيوسياسي، حيث إنها تعمل على دفع أوكرانيا بعيداً عن حلف الناتو”.
وحول الموقف الخليجي من الأزمة الروسية الأوكرانية يقول سلطان إن خلاصة الموقف تتعلق بالسعودية وقطر، لكون الأخيرة تملك أكبر احتياطي غازي في العالم، والسعودية تعد الأكثر إنتاجاً للنفط، ولهذا أصبحت هاتان الدولتان في محور الأزمة وفي وسطها.
ويشير بالقول: “دول الخليج ليست بعيدة عن الصراع؛ لأن ما يحدث الآن بين أوكرانيا وروسيا هو أشبه بعلاقة التحكم في الطاقة، حيث إن الروس سيطروا على شرق أوكرانيا التي فيها أغلب مناجم الفحم، كما أن أوكرانيا تعتبر منطقة تماس ما بين حلف الناتو “الأوروبي” والروس، فتشكل بذلك خطراً على روسيا وأمنها.
ويضيف المحلل السياسي أن الروس يخشون من استحواذ الأوروبيين على الطاقة، حيث إن روسيا تصدر كميات كبيرة من الغاز عن طريق الأنابيب إلى ألمانيا، لكن مؤخراً أعلن وزير الطاقة الألماني إيقاف الاستيراد عن طريق هذا الأنبوب، وبذلك فمن المتوقع أن يتوجه الأوروبيون إلى قطر من أجل الغاز؛ “لذلك أرسل الرئيس بوتين الرسالة عن طريق وزير الطاقة والمعادن الروسي إلى أمير قطر، للإشارة إلى عدم التدخل في موضوع الغاز”، بحسب سلطان.
ويرى أن تصريح وزير الخارجية القطري الأخير حول الأزمة الأوكرانية “يدل على عدم الرغبة في أن تكون قطر جزءاً من الصراع والاستقطاب السياسي، كما أن الوزير يؤكد عدم رغبتهم بأن يكونوا مع طرف على حساب آخر، سواء في منع الغاز أو في ضخه”، لافتاً إلى أن المنافسة التجارية مفتوحة أمام الجميع، “فقد تبيع قطر للأوروبيين لكن لن يقوموا بتخفيض الأسعار، ولن يفرض أحد الرأي السياسي على قطر”.
وكان وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة سعد الكعبي قال، الثلاثاء، إن الدول المنتجة للغاز لا توافق على فرض عقوبات اقتصادية على أي من الدول الأعضاء بالمنتدى “خارج إطار الأمم المتحدة”، فيما أكد وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن بلاده تؤمن بحل النزاعات عبر الدبلوماسية الوقائية.
ويشير سلطان إلى أن دول الخليج ستكون دولاً محايدة، وأن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي -والذي يعتبر حليفاً ومقرباً من الولايات المتحدة الأمريكية- لدولة الكويت، وزيارة الرئيس الجزائري “تتعلقان بالصراع الروسي الأوكراني”.
ويضيف سلطان أن السعودية “في نقطة تماس خطرة جداً مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرياض أن تضخ النفط لتفادي غضب البيت الأبيض، وكذلك على القطريين أن يبيعوا الغاز بكميات مضاعفة لسد العجز الذي وقع الآن في الناتو، وحتى لا يكونوا أيضاً في نقطة تماس خطرة مع واشنطن ومع حلف الناتو، وهي قضايا متشابكة وفيها مصالح معقدة”.
بدوره يرى الكاتب الصحفي العُماني أحمد الشيزاوي أن دول الخليج ليست بمنأى عن ارتدادات أزمة أوكرانيا وإن تباعدت المسافات، “فالمصالح الدولية متشابكة والارتباط الخليجي مع الحليف الأمريكي والغربي لم يغفر لهم حتى وإن أرادوا الصمت أو البقاء بعيداً عما ستخلفه الأزمة من ارتفاع ونقص حاد في سوق الغاز والنفط”.
ويشير في حديثه مع “الخليج أونلاين” إلى أن أمريكا والغرب أكثر تواصلاً مع الدول الخليجية لتأمين العجز المتوقع للغاز والنفط، خاصة في الدول الأوروبية التي لديها عقود وارتباط مباشر مع الغاز الروسي.
ويتابع الشيزاوي أن أهمية الورقة الخليجية تكمن في “الفرص التي يمكن أن يستثمرها الساسة الخليجيون في إعادة قراءة التحالفات التقليدية مع أمريكا والغرب، وأن يستفيدوا من الأزمات بين الأقطار وصراعاتهم من خلال توزيع تحالفاتهم الأمنية والاقتصادية المستقبلية وتحويلها إلى سلة تحالفات تضمن لهم ارتباط المصلحة الخليجية مع جميع الأقطار والقوى، مع روسيا من جهة أو أوروبا والغرب وأمريكا من جهة أخرى”.
وحول إمكانية حلحلة الأزمة من خلال تسويات لملفات إقليمية أخرى كسوريا أو الملف النووي الإيراني، يعتقد الشيزاوي أن ذلك ‏”لا يبدو ظاهراً، لكن لا يستبعد أن تكون هناك مبادرات مستقبلية إذا ما استمرت الأزمة فترة طويلة وطالت مرحلة الدبلوماسية ولم تصل إلى مرحلة التصادم العسكري”.
ويلفت الكاتب الصحفي إلى أنه من غير المستبعد أن تُطرح بعض المقايضات مقابل بقاء روسيا في أوكرانيا وخروجها من الشرق الأوسط وبالذات من سوريا، التي ترى أمريكا نفسها مهزومة أمام التغول الروسي الإيراني فيها، ووقف دعمها لإيران الذي يهدد مصالح الغرب في الخليج، مقابل تخلي أمريكا والغرب عن أوكرانيا لتنفرد بها روسيا، بحسب الشيزاوي.
السعودية يمكنها بلوغ القدرة القصوى للتصدير خلال ثلاثة أشهر.

source