Deprecated: طريقة البناء المُستدعاة لـ WP_Widget في EV_Widget_Entry_Views أصبحت مهجورة منذ النسخة 4.3.0! استخدم __construct() بدلاً عنها. in /home/c1285887c/public_html/sevenst.us/wp-includes/functions.php on line 6085
عائلي – ٍSEVENST.US
الأحداث الجارية بعيون الغرب
حرب أوكرانيا كشفت أن العولمة لها أنياب أمريكية | رأي اليوم – raialyoum

م. أمين حماد

المتتبع للأحداث بين و روسيا و أوكرانيا يجد جليا مخاطر العولمة و التي كما أن لها فوائد فإن لها سلبيات كثيرة كانت تظهر كلما حدثت مشاكل دولية، و لكن لأنها الآن تؤثر على بلد في غاية الأهمية مثل روسيا، فأعراضها واضحة.

قبل عام ١٩٩٠، أي قبل تفكك الاتحاد السوفييتي. كانت تلك الدولة تعيش وراء ما كان يعرف بالستار الحديدي، معزولة تماما عن الدول الأخرى و اقتصادها إلى حد كبير منفصل عن الاقتصادات الأخرى.

و لكن بعد تفكك تلك الدولة و انفتاح روسيا على العالم تشابك اقتصادها مع الدول الأخرى ضمن اقتصاد عالمي تتحكم به أمريكا.

ما إن غضبت أمريكا عند بدء الحرب على أوكرانيا، قامت بطرد روسيا من نظام سويفت المالي، و قامت الشركات الأمريكية التي تواجدت في موسكو و المدن الروسية الأخرى بعد عام ٩٠، مثل مكدونالدز و كوكاكولا و دي إتش إل و شركات الإنترنت و غيرهم بتجميد أعمالهم، و هذه الشركات لم تكن تقدم خدمات للروس سواء كانت أساسية أم ثانوية، و إنما كانت و لازالت توظف عشرات الآلاف من الأيادي العاملة الروسية وتدفع الضرائب للحكومة هناك. كما أن وسائل التواصل الجتماعي هي من الأهمية بمكان بحيث أنها ليست فقط إحدى وسائل الترفيه، بل هي وسيلة لتواصل الأقارب و الأصدقاء كما أنها وسيلة لبث الأخبار الصادقة و الشائعات الكاذبة بسرعة كبيرة.

من هنا نجد أن أمريكا تتحكم فعليا ليس فقط في اقتصادات الدول عن طريق شركاتها التي تنفذ أوامر الحكومة الأمريكية، بل أيضا بالتوظيف و كذلك بأدوات التسلية و نشر الأخبار و الشائعات و البريد السريع.

و عليه فإن الواضح أن روسيا أيام الاتحاد السوفييتي كانت من الناحية الفعلية من حيث اعتمادها على نفسها و عدم وضع قراراتها الاقتصادية و الإنتاجية بأيادي خارجية، أحسن وضعا من الآن. و لكن قبل ٢٤ فبراير ٢٠٢٢م، كان الوضع بالنسبة للاقتصاد و كذلك بالنسبة للمواطن الروسي من حيث السيولة المالية أفضل، و لكن خارج تحكم الحكومة الروسية.

و بناء على ذلك نرى أن دخول روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي (و ظهور ما يعرف بالاتحاد الروسي) نظام العولمة كان معناه فقدان القدرة على السيطرة الاقتصادية و المعلوماتية للبلد و تسليمه و لو جزئيا لأمريكا، و إن كان ظاهريا أعطى بعض الرخاء الفعلي للشعب. و لقد ثبت أن العولمة هذه ما هي إلا أداة بيد أمريكا تعاقب بها من تشاء في أي وقت. و لقد وصل الأمر ببعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أنهم طالبوا بمصادرة الذهب المحفوظ في أمريكا و الذي يستخدم لدعم الروبل.

و تعريف العولمة كما هو حادث أنها عبارة عن بوتقة أمريكية و لها غطاء بيد أمريكا، تضع كل دول العالم إمكانياتها فيها، لصهرها فتصبح امكانيات متاحة للجميع، لكي تتشارك الدول بامكانيات بعضها البعض و لكن بإذن الأمريكان فقط، فما أن تغضب أمريكا على دولة ما، تقوم بوضع الغطاء على البوتقة عندما تطلب تلك الدولة جزء من الإمكانيات الموجودة.

فعلى سبيل المثال، يقال أنه ليتم تصنيع سيارة واحدة فإن المصنع يحتاج إلى حوالي أربعة آلاف قطعة مختلفة يشتريهم من دول مختلفة، لأن بلده لا تصنعها لأسباب عدم القدرة التقنية أو لأن شراءها جاهزة أرخص. في هذه الحالة لو تم فرض حصار أمريكي على الدولة فانها لن تستطيع تصنيع السيارات لأنها لن تستطيع شراء القطع بسبب الحصار.

و كان هذا واضحا في الصناعات السوفيتية حيث كانت سياراتهم اللادا و طائراتهم المدنية دائما متخلفة عن تلك التي يتم تصنيعها في أوروبا و أمريكا، لأنها كانت محرومة من الوصول إلى قطع ذات تقنية عالية و مقبولة في السعر للمواطن الروسي.

و هذا يشبه تماما ما حدث في غزة، عندما فرض الكيان المؤقت الحصار، فأصبح صعبا أن تصنع شيئا دون شرائه أو شراء مادته الخام من الكيان أو استيراده عن طريق الكيان بما في ذلك الكهرباء و البذور و المواد الأساسية، فأصبحت غزة تعاني في توفير الكثير من المنتجات المحلية و المستوردة لأنها  تعتمد على الكيان المعادي في كل شيئ، و هو الذي يحاصرها، و يضع مئات المسميات من مواد خام أو مصنعات ضمن قائمة المحظور دخوله إلى القطاع بحجة أنه من المواد التي لها استخدام مزدوج عسكري و مدني، و بالتالي أصبح الوضع الاقتصادي عندنا يعتمد بشكل كبير على عدونا بالاضافة الى الاعتماد على دول كثيرة.

بل أن قطاع غزة و في إطار معاناته من عقوبات العولمة، فإنه يخضع لعقوبات اقتصادية على مستوى المؤسسات و الأفراد، حيث أن البنوك ترفض تحويل أموال عائلية أو شخصية إلا في حدود معينة و يعتبرها الناس هنا قليلة، و لقد وصل الأمر الى أن التحويل عبر البنوك بين غزة و الضفة يخضع لشروط تعقيدية. و هذه العقوبة أثرت جدا على تحويلات مؤسسات المجتمع المدني و الأفراد في الخارج إلى أهاليهم و كذلك تحويل الصدقات و الزكوات من أهل الخير إلى القطاع، و هذا كله بسبب الحصار الذي بدأه الكيان المؤقت و طبقته حليفاتها ابتداء بأمريكا معتبرين القطاع كيان إرهابي متمرد.

و لكن قياداتنا أيضا و بسبب سوء الوضع الاقتصادي و اجتهادا منها في البحث عن حلول للشعب، فإن الواضح أنها وقعت في خطأ رهن حركة العجلة الاقتصادية بيد العدو، فعندما طلبت حماس زيادة تصاريح العمال للعمل في الكيان الى خمسين ألفا، فإن هذا سيعمل على تحسن وضع الناس و الاقتصاد في القطاع و لكنه يضع التحكم بيد الكيان المؤقت حيث يستطيع معاقبة القطاع في أي وقت بمنع العمال، و الذين عادة يتقاضون راتب بشكل يومي، و بالتالي فإن كل يوم يمنعون فيه من العمل سيكون خسارة لهم و لاقتصاد القطاع.

الفرق بيننا و بين روسيا هو أن روسيا كانت قد عملت احتياطاتها للحصار الاقتصادي مسبقا، ناهيك عن أنها دولة كبيرة تنتج معظم موادها الخام، أما قطاع غزة، فقد ثبت أنه ليس لدى من يفرضون أنفسهم قيادات على الشعب، القدرة على إيجاد حلول جذرية للبطالة و الهجرة و التعليم و غير ذلك من مشاكل الشعب قصيرة و بعيدة المدى.

غزة – فلسطين

source

الكتب و الروايات العربية PDF
تحميل كتاب مقدمة ابن خلدون pdf

تحميل كتاب مقدمة ابن خلدون ت: الدرويش pdf

المقدمة هو كتاب ألفه ابن خلدون سنة 1377م كمقدمة لمؤلفه الضخم الموسوم كتاب العبر (الاسم الكامل للكتاب هو كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقد اعتبرت المقدمة لاحقاً مؤلفاً منفصلا ذي طابع موسوعي إذ يتناول فيه جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب. وقد تناول فيه أحوال البشر واختلافات طبائعهم والبيئة وأثرها في الإنسان. كما تناول بالدراسة تطور الأمم والشعوب ونشوء الدولة وأسباب انهيارها مركزاً في تفسير ذلك على مفهوم العصبية. بهذا الكتاب سبق ابن خلدون غيره من المفكرين إلى العديد من الآراء والأفكار حتى اعتبر مؤسسا لعلم الاجتماع، سابقاً بذلك الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت

للقرآة والتحميل مجانا بصيغة pdf اضغط علي الرابط ادناه ..

تحميل كتاب مقدمة ابن خلدون1 PDF (العديد من التنزيلات)
تحميل كتاب مقدمة ابن خلدون PDF (العديد من التنزيلات)
كتاب مقدمة ابن خلدون ت: الدرويش .
ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (1332 – 1406م)، ولد في تونس وشب فيها وتخرّج من جامعة الزيتونة، وليَ الكتابة والوساطة بين الملوك في بلاد المغرب والأندلس ثم انتقل إلى مصر حيث قلده السلطان برقوق قضاء المالكية. ثم استقال من منصبه وانقطع إلى التدريس والتصنيف فكانت مصنفاته من أهم المصادر للفكر العالمي، ومن أشهرها كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (تاريخ ابن خلدون).

ابن خلدون مؤرخ من شمال أفريقيا، تونسي المولد أندلسي حضرمي الأصل. عاش بعد تخرجه من جامعة الزيتونة في مختلف مدن شمال أفريقيا، حيث رحل إلى بسكرة وغرناطة وبجاية وتلمسان، كما تَوَجَّه إلى مصر، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق، ووَلِيَ فيها قضاء المالكية، وظلَّ بها ما يناهز ربع قرن (784-808 هـ)، حيث تُوُفِّيَ عام 1406 عن عمر بلغ ستة وسبعين عامًا ودُفِنَ قرب باب النصر بشمال القاهرة تاركاً تراثاً ما زال تأثيره ممتداً حتى اليوم ويعتبر ابنُ خَلدون مؤسسَ علم الاجتماع الحديث ومن علماء التاريخ والاقتصاد.

حياته

مزرعة هاسيندا توري دي دونيا ماريا بدوس هيرماناس-إشبيلية. كانت ملكيتها تعود لعائلة ابن خلدون
ولد ابن خلدون في تونس عام 1332/732هـ بالدار الكائنة بنهج تربة الباي رقم 34. أسرة ابن خلدون أسرة علمٍ وأدب، حفظ القرآن الكريم في طفولته، وكان أبوه معلمه الأول، شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصبَ سياسيةً ودينيةً مهمةً وكانوا أهل جاهٍ ونفوذٍ، نزحت عائلته من الأندلس منتصفَ القرن السابع الهجري إلى تونس خلال حكم الحفصيين. يتعقب ابن خلدون أصوله إلى حضرموت وكان اسمه العائلي الحضرمي وذكر في تاريخه كتاب العبر المعروف باسم “تاريخ ابن خلدون” أنه من سلالة الصحابي وائل بن حجر وأنّ أجداده من حضرموت

رحل ابن خلدون بعلمه إلى مدينة بسكرة حيث تزوج هناك، ثم توجه عام 1356 إلى فاس حيث ضمّه أبو عنان المريني إلى مجلسه العلمي واستعمله ليتولى الكتابة مؤرخاً لعهده وما به من أحداث، ثم قُدّر لابن خلدون رحيلٌ آخر عام 1363م إلى غرناطة ومن ثمّ إلى إشبيلية ليعود بعد ذلك لبلاد المغرب، فوصل قلعة ابن سلامة (تيارت في الجزائر حالياً) فأقام بها أربعة أعوامٍ وشرع في تأليف كتاب العبر الذي أكمل كتابته بتونس ورفع نسخة منه لسلطان تونس ملحقاً إيّاها بطلب الرحيل إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج، ثم ركب سفينةً إلى الإسكندرية وتوجه من ثَمَّ إلى القاهرة حيث أمضى بقية حياته، وتولى هناك القضاء المالكي بمصر بوصفه فقيهاً متميزاً خاصةً أنه خريج المدرسة الزيتونية العريقة. وكان في طفولته درس بمسجد القبة قرب منزله سالف الذكر المسمى “سيد القبة”. توفّي ابن خلدون في القاهرة سنة 1406م/808 هـ. وكان من أساتذته الفقيه الزيتوني الإمام ابن عرفة في جامع الزيتونة المعمور منارة العلوم بالعالم الإسلامي آنذاك.

مسجد القبة الذي درس فيه ابن خلدون بتونس

مسجد القبة الذي درس فيه ابن خلدون بتونس
يعتبر ابن خلدون مؤسّس علم الاجتماع وأوّل من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريّات حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها. وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصّل إليه لاحقًا بعدّة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت.

عدد المؤرخون لابن خلدون عددا من المصنفات في التاريخ والحساب والمنطق غير أن أشهر كتبه كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” في سبعة مجلدات أولها المقدمة المشهورة أيضاً بمقدمة ابن خلدون، وتشغل من الكتاب ثلثه، وهي عبارةٌ عن مدخلٍ موسعٍ للكتاب وفيها يتحدث ابن خلدون ويؤصل لآرائه في الجغرافيا والعمران (علم الاجتماع) والفلك وأحوال البشر وطبائعهم والمؤثرات التي تميز بعضهم عن الآخر.

دار ابن خلدون بالعاصمة التونسية
اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والأحزان على فقد الأعزاء، من أبويه وكثيرٍ من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هـ/1348م تفرغ بعدها أربع سنواتٍ في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية، حتى اعتزل الناس آخر عمره، ليكتب سفره أو ما عرف بمقدمة ابن خلدون مؤسساً لعلم الاجتماع بناءً على الاستنتاج والتحليل في التاريخ وحياة الإنسان. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعية في البحث والتفكير.

ابتكر ابن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. أرنولد توينبي
إن مؤلف ابن خلدون هو أحد أهم المؤلفات التي أنجزها الفكر الإنساني. جورج مارسيز
إن مؤلف ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ايف لاكوست
إنك تنبئنا بأن ابن خلدون في القرن الرابع عشر كان أول من اكتشف دور العوامل الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. إن هذا النبأ قد أحدث وقعاً مثيراً، وقد اهتم به صديق الطرفين (المقصود به فلاديمير لينين) اهتماماً خاصاً. من رسالة بعث بها مكسيم غوركي إلى المفكر الروسي انوتشين بتاريخ 21/أيلول/سبتمبر 1912.
ترى أليس في الشرق آخرون من أمثال هذا الفيلسوف. فلاديمير لينين
ففيما يتعلق بدراسة هيكل المجتمعات وتطورها فإن أكثر الوجوه يمثل تقدماً يتمثل في شخص ابن خلدون العالم والفنان ورجل الحرب والفقيه هوالفيلسوف الذي يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر. روجيه غارودي

تعليمه
مكانة عائلته الاجتماعية مكنته من الدراسة على يد أفضل المدرسين في المغرب العربي. تلقى علم التربية الإسلامية التقليدية، ودرس القرآن الكريم الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، واللسانيات العربية، وأساس فهم القرآن، الحديث، الشريعة (القانون) والفقه علم التاريخ.

لقد تجمعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعملية التي تجعل منه مؤرخا حقيقيا – رغم أنه لم يول في بداية حياته الثقافية عناية خاصة بمادة التاريخ – ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقية المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت 50 عاما، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الأندلس وحتى بلاد الشام. فقد استطاع، ولأول مرة، (إذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هي نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنية الجوهرية للتاريخ. فعلم التاريخ، وإن كان (لايزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول) إنما هو (في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق(المقدمة). فهو بذلك قد اتبع منهجا في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت.

يقول: “فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك، كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.”

وهكذا فهو وإن لم يكتشف مادة التاريخ، فإنه جعلها علما ووضع لها فلسفة ومنهجا علميا نقديا نقلاها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المعللة بأسباب عامة منطقية ضمن ما يطلق عليه الآن بالحتمية التاريخية، وذلك ليس ضمن مجتمعه فحسب، بل في كافة المجتمعات الإنسانية وفي كل العصور، وهذا ما جعل منه أيضا وبحق أول من اقتحم ميدان ما يسمى بتاريخ الحضارات أو التاريخ المقارن. “إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل. إني أبحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية. كذلك قولهداخلا من باب الأسباب على العموم على الأخبار الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا. وأعطي الحوادث علة وأسبابا.”

علم الاجتماع
يعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع أو علم العمران البشري. وقد ذكر في كتاب مقدمة ابن خلدون: “. وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا.”، وهو علم مستقل بنفسه موضوعه العمران البشري والاجتماع، ويهدف إلى “بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أم عقليا وأعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص. وكأنه علم مستبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة.

لقد قاد المنهج التاريخي العلمي الذي اتبعه ابن خلدون للتوصل إلى علم الاجتماع، وهذا المنهج يرتكز على أن كل الظواهر الاجتماعية ترتبط ببعضها البعض، فكل ظاهرة لها سبب وهي في ذات الوقت سبب للظاهرة التي تليها. لذلك كان مفهوم العمران البشري عنده يشمل كل الظواهر سواء كانت سكانية أو ديمغرافية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية أو ثقافية. فهو يقول في ذلك:”فهو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن الكسب والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال.” ثم يأخذ في تفصيل كل تلك الظواهر مبينا أسبابها ونتائجها، مبتدئا بإيضاح أن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن أبناء جنسه حيث: “أن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية. وهو معنى العمران.

يناقش ابن خلدون العمران البشري بشكل عام مبينا أثر البيئة في البشر وهو مايدخل حاليا في علم الإثنولوجيا وعلم الإنسان، ويتطرق لأنواع العمران البشري تبعا لنمط حياة البشر وأساليبهم الإنتاجية قائلا: “إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش.” مبتدئا بالعمران البدوي باعتباره أسلوب الإنتاج الأولي الذي لا يرمي إلى الكثير من تحقيق ما هو ضروري للحياة: “إن أهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي. وإنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد.”

ثم يخصص الفصل الثالث من المقدمة للدول والملك والخلافة ومراتبها وأسباب وكيفية نشوئها وسقوطها، مؤكدا أن الدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية. والعصبية عنده أصبحت مقولة اجتماعية احتلت مكانة بارزة في مقدمته حتى اعتبرها العديد من المؤرخين مقولة خلدونية بحتة، وهم محقون في ذلك لأن ابن خلدون اهتم بها اهتماما بالغا إلى درجة أنه ربط كل الأحداث الهامة والتغييرات الجذرية التي تطرأ على العمران البدوي أو العمران الحضري بوجود أو فقدان العصبية. كما أنها في رأيه المحور الأساسي في حياة الدول والممالك. ويطنب ابن خلدون في شرح مقولته تلك، مبينا أن العصبية نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا، ذلك أنها تتولد من النسب والقرابة وتتوقف درجة قوتها أو ضعفها على درجة قرب النسب أو بعده. ثم يتجاوز نطاق القرابة الضيقة المتمثلة في العائلة ويبين أن درجة النسب قد تكون في الولاء للقبيلة وهي العصبية القبلية . ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نصرة كل أحد من أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس في اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء. أما إذا أصبح النسب مجهولا غامضا ولم يعد واضحا في أذهان الناس، فإن العصبية تضيع وتختفي هي أيضا. . بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح انتفت النعرة التي تحمل هذه العصبية، فلا منفعة فيه حينئذ. هذا ولا يمكن للنسب أن يختفي ويختلط في العمران البدوي، وذلك أن قساوة الحياة في البادية تجعل القبيلة تعيش حياة عزلة وتوحش، بحيث لا تطمح الأمم في الاختلاط بها ومشاركتها في طريقة عيشها النكداء، وبذلك يحافظ البدو على نقاوة أنسابهم، ومن ثم على عصبيتهم.

. الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر. وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء الموطن، حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة. فصار لهم ألفا وعادة، وربيت فيهم أجيالهم. فلا ينزع إليهم أحدا من الأمم أن يساهم في حالهم، ولا يأنس بهم أحد من الأجيال. فيؤمن عليهم لأجل ذلك منت اختلاط أنسابهم وفسادها. أما إذا تطورت حياتهم وأصبحوا في رغد العيش بانضمامهم إلى الأرياف والمدن، فإن نسبهم يضيع حتما بسبب كثرة الاختلاط ويفقدون بذلك عصبيتهم. . ثم يقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الانساب بالجملة ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية مدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان. وهكذا نخلص للقول في هذا الصدد بأن العصبية تكون في العمران البدوي وتفقد في العمران الحضري.

بعد أن تعرض ابن خلدون لمفهوم العصبية وأسباب وجودها أو فقدانها، انتقل إلى موضوع حساس وهام، مبينا دور العصبية فيه، ألا وهو موضوع “الرئاسة” الذي سيتطور في (العمران الحضري) إلى مفهوم الدولة. فأثناء مرحلة “العمران البدوي” يوجد صراع بين مختلف العصبيات على الرئاسة ضمن القبيلة الواحدة، أي ضمن العصبية العامة حيث: (إن كل حي أو بطن من القبائل، وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو أخوة بني أب واحد، لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين، فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص، ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام، والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام، إلا أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة). ومن هنا ينجم التنافس بين مختلف العصبيات الخاصة على الرئاسة، تفوز فيه بطبيعة الحال العصبة الخاصة الأقوى التي تحافظ على الرئاسة إلى أن تغلبها عصبة خاصة أخرى وهكذا.(.ولما كانت الرئاسة انما تكون بالغلب، وجب أن تكون عصبة ذلك النصاب (أي أهل العصبية الخاصة) أقوى من سائر العصبيات ليقع الغلب بها وتتم الرئاسة لأهلها. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبة، ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص).

يحدد ابن خلدون مدة وراثة الرئاسة ضمن العصبية القوية بأربعة أجيال على العموم، أي بحوالي 120 سنة في تقديره.(ذلك بأن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي سبب كونه وبقائه، وبعده ابن مباشر لأبيه قد سمع منه ذلك وأخذ عنه، إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشئ عن المعاين له ثم إذا جاء الثالث كان حظه في الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن أمر ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر واجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصبية. واعتبار الأربعة من الأجيال الأربعة بان ومباشر ومقلد وهادم).وبذلك ينهي ابن خلدون نظريته المتعلقة بالسلطة أثناء مرحلة (العمران البدوي) ويخلص إلى نتيجة أن السلطة في تلك المرحلة مبنية أساسا على العصبية بحيث لا يمكن أن تكون لها قائمة بدونها.

العصبية والسلطة في العمران الحضري

انطلاقا من نظريته السابقة المتعلقة بدور العصبية في الوصول إلى الرئاسة في المجتمع البدوي، واصل ابن خلدون تحليله على نفس النسق فيما يتعلق بالسلطة في المجتمع الحضري مبينا أن العصبية الخاصة بعد استيلائها على الرئاسة تطمح إلى ما هو أكثر، أي إلى فرض سيادتها على قبائل أخرى بالقوة، وعن طريق الحروب والتغلب للوصول إلى مرحلة الملك (. وهذا التغلب هو الملك، وهو أمر زائد على الرئاسة. فهو التغلب والحكم بالقهر، وصاحب العصبية إذا بلغ رتبة طلب ما فوقها). معتمدا في تحقيق ذلك أساسا وبالدرجة الأولى على العصبية حيث أن (الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك). فهذه إذن المرحلة الأولى في تأسيس الملك أو الدولة، وهي مرحلة لا تتم إلا من خلال العصبية.

بالوصول إلى تلك المرحلة يبدأ (العمران الحضري) شيئا فشيئا وتصبح السلطة الجديدة تفكر في تدعيم وضعها آخذة بعين الاعتبار جميع العصبيات التابعة لها، وبذلك فإنها لم تعد تعتمد على عامل النسب بل على عوامل اجتماعية وأخلاقية جديدة، يسميها ابن خلدون (الخلال). هنا تدخل الدولة في صراع مع عصبيتها، لأن وجودها أصبح يتنافى عمليا مع وجود تلك العصبية التي كانت في بداية الأمر سببا في قيامها، (يتراءى لنا مبدأ نفي النفي في المادية الجدلية<إضافة رابط المادية الجدلية إن وجد>). ومع نشوء الملك يتخطى الملك عصبيته الخاصة، ويعتمد على مختلف العصبيات. وبذلك تتوسع قاعدة الملك ويصبح الحاكم أغنى وأقوى من ذي قبل، بفضل توسع قاعدة الضرائب من ناحية، والأموال التي تدرها الصناعات الحرفية التي تنتعش وتزدهر في مرحلة (العمران الحضري) من ناحية أخرى.

لتدعيم ملكه يلجأ إلى تعويض القوة العسكرية التي كانت تقدمها له العصبية الخاصة أو العامة(القبيلة) بإنشاء جيش من خارج عصبيته، وحتى من عناصر أجنبية عن قومه، وإلى إغراق رؤساء قبائل البادية بالأموال، وبمنح الإقطاعات كتعويض عن الامتيازات السياسية التي فقدوها. وهكذا تبلغ الدولة الجديدة قمة مجدها في تلك المرحلة، ثم تأخذ في الانحدار حيث أن المال يبدأ في النفاذ شيئا فشيئا بسبب كثرة الإنفاق على ملذات الحياة والترف والدعة. وعلى الجيوش ومختلف الموظفين الذين يعتمد عليهم الحكم. فيزيد في فرض الضرائب بشكل مجحف، الشئ الذي يؤدي إلى إضعاف المنتجين، فتتراجع الزراعة وتنقص حركة التجارة، وتقل الصناعات، وتزداد النقمة وبذلك يكون الحكم قد دخل مرحلة بداية النهاية، أي مرحلة الهرم التي ستنتهي حتما بزواله وقيام ملك جديد يمر بنفس الأطوار السابقة التي يجملها ابن خلدون في خمسة أطوار. (. وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار.

الطور الأول طور الظفر بالبغية، وغلب المدافع والممانع، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها. فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة بقومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لم تزل بعد بحالها.
الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه، الضاربين في الملك بمثل سهمه. فهو يدافعهم عن الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يقر الأمر في نصابه.

الطور الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فسيتفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة، والأمصار المتسعة، والهياكل المرتفعة، وإجازة الوفود من أشرف الأمم ووجوه القبائل وبث المعروف في أهله. هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم ذلك في ملابسهم وشكتهم وشاراتهم يوم الزينة. وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد.

الطور الرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما أولوه سلما لأنظاره من الملوك واقتاله مقلدا للماضين من سلفه. ويرى أن الخروج عن تقليده فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

الطور الخامس طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها، ولايعرفون ما يأتون ويذرون منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته، مضيعا من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواتهم. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه.أي أن تنقرض).(المقدمة) وإذن فإن تحليل ابن خلدون بولادة ونمو وهرم الدولة هو ذو أهمية بالغة، لأنه ينطلق من دراسة الحركة الداخلية للدولة المتمثلة في العصبية، تلك المقولة الاجتماعية والسياسية التي تعتبر محور كل المقولات والمفاهيم الخلدونية. فقد اعتمد عليها اعتمادا أساسيا في دراسته الجدلية لتطور المجتمعات الإنسانية(العمران البشري) وكأنه يبشر منذ القرن الرابع عشر بما اصطلح على تسميته في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ب (المادية الجدلية). وفي غمرة انطلاقته العلمية الرائعة الرائدة وضع إصبعه على العصب الحساس والرئيسي، وإن لم يكن الوحيد في تطور (العمران البشري) ألا وهو الاقتصاد.

علم الاقتصاد
إن النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون في الفصل الثاني من مقدمته عند بحثه للعمران البدوي وهي:(إن اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلهم من المعاش) قادته بالضرورة إلى دراسة عدة مقولات اقتصادية تعتبر حجر الزاوية في علم الاقتصاد الحديث، مثل دراسة الأساليب الإنتاجية التي تعاقبت على المجتمعات البشرية، وانتقال هذه الأخيرة من البداوة إلى الحضارة، أي من الزراعة إلى الصناعة والتجارة:(وأما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش. أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات. وأما الصناعة فهي ثانيها ومتأخرة عنها لأنها مركبة وعلمية تصرف فيها الأفكار والأنظار، ولهذا لا توجد غالبا إلا في أهل الحضر الذي هو متأخر عن البدو وثان عنه).

يركز ابن خلدون على الصناعة جاعلا منها السبب الأساسي في الازدهار الحضاري:(إن الصنائع إنما تكتمل بكمال العمران الحضري وكثرته. إن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها). كما تناول مقولة تقسيم العمل بالتأكيد على أن(النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون)، لعجز الإنسان عن تلبية جميع حاجاته مهما كانت قدرته بمفرده، حيث أن (الصنائع في النوع الإنساني كثيرة بكثرة الأعمال المتداولة في العمران. فهي بحيث تشذ عن الحصر ولا يأخذها العد.(مثل) الفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة والتوليد والوراقة والطب.) أما القيمة فهي في نظره (قيمة الأعمال البشرية): فاعلم أن ما يفيد الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله.إذ ليس هناك إلا العمل، مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر، وإن كان من غير الصنائع فلا بد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لولا العمل لم تحصل قيمتها.فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية). ولم يغفل أيضا عن مقولة (القيمة الزائدة) وإن لم يعالجها بشكل معمق عند تعرضه لصاحب الجاه:(وجميع ما شأنه أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيه الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه، فهو بين قيم للأعمال يكتسبها، وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها، فتتوفر عليها، والأعمال لصاحب الجاه كبيرة، فتفيد الغني لأقرب وقت، ويزداد مع مرور الأيام يسارا وثروة). من كل ما تقدم نستطيع المجازفة والقول إن أعمال ابن خلدون وبالذات

ويرفض ابن خلدون تدخل الدولة المباشر في الإنتاج والتجارة لما يترتب عليه من أضرار اقتصادية. فهو يرى أن حاجة الدولة لتغطية نفقاتها المتزايدة تدفعها نحو هذا التدخل ولكن النتيجة حينئذ تكون بعكس القصد. يكتب ابن خلدون “اعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها، واحتاجت إلى مزيد المال والجباية، فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما قدمنا وتارة بالزيادة في ألقاب (معدلات؛ أسعار) المكوس إن كان قد استحدث من قبل، وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك (امتصاص) عظامهم، لما يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان (المحاسبون)، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية (باسم الجباية)، لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم، وأن الأرباح تكون على نسبة رؤوس الأموال. فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الأسواق، ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد. غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة”. مما تقدم يبين لنا أن مقدمة ابن خلدون تعتبر أول موسوعة في العلوم الإنسانية، بل هي باكورة العمل الموسوعي العام قبل ظهور عصر الموسوعات بحوالي خمسة قرون.
علم الأحياء
يعتبر ابن خلدون من أوائل العلماء الذين أشاروا للشبه بين القردة والإنسان حيث يقول في مقدمته: “ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات من الحشائش وما لا بذر له؛ وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرؤية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا”

الفلسفة
يرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرفها قائلا: بأن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. ويحذر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على العلوم الشرعية من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها·.

لعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يمعنوا في التجريد العقلي.

فلسفة ابن خلدون
امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه القدامى على أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة من موطنه الأصيل تونس وبقية بلاد شمال أفريقيا إلى بلدان أخرى مثل مصر والحجاز والشام[؟] ، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

بسبب فكر ابن خلدون الدبلوماسي الحكيم، أرسل أكثر من مرة لحل نزاعات دولية، فقد عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيرا إلى أمير قشتالة[؟]

لعقد الصلح. وبعد ذلك بأعوام، استعان أهل دمشق به لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمور لنك، والتقوا بالفعل.
الفكر التربوي عند ابن خلدون
له مساهمة فعالة في علم التربية والذي لم يكن معروفا كعلم أكاديمي مستقل مثل اليوم، وقد عملت دراسات كثيرة حول فكره التربوي، ويمكن إجمال أفكاره التربوية في التالي:

أن العلم ينقسم إلى علمين علم نقلي وعلم عقلي.
التدرج في التعليم.
البدء بالمحسوسات والتدرج حتى الملموسات.
يكون تعليم الصبي بداية بعض سور القرآن الكريم وبعض الأشعار حتى تقوى ملكة الحفظ.
الغرب وابن خلدون
كثير من الكتاب الغربيين وصفو تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ، وهو له تقدير كبير عندهم. ربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته وتجاربه ودعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.

كان شمال أفريقيا أيام ابن خلدون بعد سقوط دولة الموحدين تحكمه ثلاث أسر: المغرب كان تحت سيطرة المرينيين (1196 – 1464)، غرب الجزائر كان تحت سيطرة آل عبد الودود (1236 – 1556)، تونس وشرق الجزائر وبرقة تحت سيطرة الحفصيين (1228 – 1574). التصارع بين هذه الدول الثلاثة كان على أشده للسيطرة ما أمكن من المغرب الكبير ولكن تميزت فترة الحفصيين بإشعاع ثقافي باهر. وكان المشرق العربي في أحلك الظروف آنذاك يمزقه التتار والتدهور.

وظائف تولاها
كان ابن خلدون دبلوماسيا حكيما أيضا. وقد أرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول: مثلا، عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيرا له إلى أمير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما وكان صديقا مقربا لوزيره لسان الدين ابن الخطيب. كان وزيرا لدى أبي عبد الله الحفصي سلطان بجاية، وكان مقربا من السلطان أبي عنان المرينى قبل أن يسعى بينهما الوشاة. وبعد ذلك بأعوام استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك، وتم اللقاء بينهما. وصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته. إذ يصف ما رآه من طباع الطاغية، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها، ويقدم تقييما متميزا لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب. الخصال الإسلامية لشخصية ابن خلدون، أسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلا، وذكائه وكرمه، وغيرها من الصفات التي أدت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملا متميزا عن غيره من نصوص أدب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الإسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة. ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع.

ساهم في الدعوة للسلطان أبي حمو الزياني سلطان تلمسان بين القبائل بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبي العباس الحفصي وأرسل أخاه يحيى بن خلدون ليكون وزيرا لدى أبي حمو.

وفاته
توفي في مصر عام 1406م، ودفن في مقابر الصوفية عند باب النصر
شمال القاهرة وقبره غير معروف. والدار التي ولد بها كائنة بنهج تربة الباي عدد 34 بتونس العاصمة بالمدينة العتيقة.

اتمني لكم قرآة ممتعة وفي انتظار تعليقاتكم علي الرواية ..

قصص أطفال
قصص ما قبل النوم.. هل باتت عادة "مهجورة" يفتقد لها الصغار؟

ربى الرياحي
عمان- تحمل قصص ما قبل النوم للأطفال بين ثناياها الدفء والأمان والسعادة، وتسمح لهم بإطلاق العنان لخيالهم وتصور الأحداث بعفوية كما تراها براءتهم. استمتاعهم بالأجواء المرافقة للقصة هو ما يعنيهم، لكونهم يشعرون بالتصاقهم فعليا بوالديهم ويعزز لديهم الإحساس بالانتماء داخل أسرهم.
تلك القصص، تجعل الصغار أقدر على طرح الأسئلة التي تشغل بالهم، وتؤكد فهمهم العميق لأطوار القصة، إضافة إلى أن الاستماع للقصة قبل النوم يحفز شعور الثقة بالنفس ويمنح فرصة للطفل في التعبير عن مشاعره، ما يؤدي للانفتاح بينه وبين والديه فتكون العلاقة بينهم قوية.
وسواء كانت هذه القصص من وحي الخيال أو الواقع، ففي كلتا الحالتين تعد وسيلة تعليمية وتربوية ممتعة للأطفال تغرس فيهم القيم الأخلاقية وتوسع آفاقهم الفكرية. لكن مؤخرا وبسبب الأحداث السريعة والمتوترة الحاصلة في العالم يبدو أن هذه العادة باتت مهجورة، فقد أصبح الآباء والأمهات أكثر ضجرا وتوترا وخوفا ولم يعد لديهم القدرة على مداراة أبنائهم والاهتمام بهم كما يجب، فكثرة الأخبار المقلقة حولهم، كفيلة بأن تشغلهم وتبعدهم عن أنفسهم وعن عادات كثيرة كانت تعني لهم الكثير.
الثلاثينية حنان سالم تجد نفسها مقصرة مع طفليها، وخاصة أنها أهملت الكثير من الطقوس التي كانت تتشاركها معهما يوميا. تقول “قبل ظهور أزمة كورونا كنت حريصة على سرد القصص لهما قبل النوم”، وكانت سعادتها بذلك كبيرة إضافة إلى أن هذه العادة ساعدتها على تربيتها طفليها وتوصيل المعلومات والرسائل لهما بشكل أسرع وأسهل.
وبالنسبة لتأثيرها الإيجابي على الطفلين، تبين حنان أن الفرحة التي تراها على وجه طفليها عندما تخبرهما بأن وقت قراءة القصة حان، لا توصف أبدا، وهذا يعطيها الدافع لكي تواظب عليها باستمرار، وأيضا تنتقي لهما ما يشد انتباههما ويحرضهما على الإصغاء وتصور الأحداث، لافتة إلى أنها تركز على أن تكون القصة ذات معنى فيها عنصر التشويق والمغامرة، إضافة إلى إعطائهما الفرصة للتفريق بين الخير والشر مع تأكيد ضرورة الابتعاد عن العنف والقسوة.
وتنوه إلى أنها تستعين بالقصص التي تناسب عمرهما، وكذلك تحرص على أن تكون الصور والرسومات فيها قليلة جدا حتى تسمح لهما بأن يتخيلا ويطرحا الأسئلة، وهنا تكمن أهمية دورها في إيجاد إجابات مقنعة تتواءم مع تفكيرهما. أما اليوم وبعد الأحداث المتلاحقة والمتوترة الناتجة عن تفشي فيروس كورونا في العالم، تشعر حنان بأنها باتت بعيدة عن طفليها ليس لديها ذلك الجلد لكي تتعرف إليهما وتفهم كل ما يدور برأسهما من تساؤلات. وهذا بالطبع انعكس سلبا على إحساسهما بالأمان الذي بدآ يفتقدانه تدريجيا.
أما الطفلة يارا عمران ذات العشر سنوات، فهي أيضا تفتقد جدا للوقت الذي كانت تقضيه برفقة والدتها، ولتلك القصص التي كانت تسردها على مسامعها قبل النوم. تقول إن كثرة المشاغل وزيادة الأعباء الملقاة على كاهل والدتها من تنظيف البيت ورعاية إخوتها الصغار وتربيتهم وكونها أيضا موظفة، كل ذلك حرمها الاستمتاع بأجواء قصة ما قبل النوم، والطمأنينة التي كانت تتسلل إلى أحلامها. وتبين أن والدتها ومنذ سنة تقريبا لم تعد تقرأ لها القصص، مبررة بأنها كبرت على تلك العادة، ولم تعد بحاجة لأن ترافقها للنوم.
لكن هي كطفلة لم تستوعب ما قالته والدتها فاختارت أن تصمت وتكتم ألمها حتى لا تزعج والدتها. يارا بقيت تشتاق لتلك الأوقات التي كانت تجمعها بوالدتها كل ليلة لكن دون أن تصارحها بذلك، هي فضلت أن تحتفظ بتلك المشاعر التي كانت تعيشها أثناء قراءة القصة وتلمسها الحنان والدفء والقرب بذاكرتها.
الاختصاصية النفسية أسماء طوقان، ترى أن أغلب الاطفال بطبيعتهم يرفضون التوجيه، وتلقي الأوامر بشكل مباشر سواء داخل نطاق الأسرة أو خارجه، ولكن يمكن للوالدين تقويم سلوك الطفل من خلال سرد القصص له، والتي تعد من أهم الأساليب في تربية الطفل وتنشئته بشكل سليم سواء من الجانب النفسي أو من الجانب الجسدي.
ووفق طوقان، فإن القصة من أقوى عوامل الاستثارة والجذب للطفل والتأثير فيه قد لا ينحصر على وقت سماعه القصة أو قراءته لها، بل يتجاوز الى تقليد الأحداث في حياته اليومية، وقد تساعده على التعبير عن مشاعره وعما يدور في داخله وتزيد من ثقته بنفسه وتكسبه القدرة على حل مشاكل حياته اليومية، وتوقع أفعال الآخرين وفهمهم بشكل أفضل.
وللقصة دور مهم وفعال في النمو الانفعالي للطفل، حيث يمكنه التمييز بين الشر والخير من خلالها والخوف والشجاعة والصواب من الخطأ والحكمة والأخلاق الحميدة والصفات الحسنة وتزيد من الترابط في علاقته بوالدته أو والده وتماسكها وتكسبه مهارات التواصل والحوار بشكل فعال ومتقن، ويتم استخدام أسلوب العلاج بالسرد القصصي للأطفال الذين يعانون القلق بأنواعه المختلفة والاكتئاب وتدني تقدير الذات والخجل الاجتماعي لما له من تأثير إيجابي يرسخ في عقل الطفل، بحسب طوقان.
وتلفت إلى أنه من الناحية الجسدية، للقصة دور كبير في النمو العقلي للطفل، حيث تقوم بتطوير العمليات العقلية المختلفة التي تبدأ بالمستوى الحسي الحركي ثم الذكاء والتركيز والذاكرة والتفكير والتخيل، فالخيال له دوره المهم في تنمية الحس الإبداعي، فعند سماعه أي قصة يقوم برسم الشخصيات بمخيلته والأماكن والملابس، فكلما سمع شيئا رسم له صورة في مخيلته.
وعلى الأم قراءة القصص التي تساعد الطفل على توسيع مدى خياله وتنمية قدراته بشكل إيجابي مع مراعاة استخدام تعبيرات الوجه والحركات وتغيير نبرة الصوت، ولتحقيق الهدف بشكل أكبر من القصة ينبغي سؤاله عن توقعاته بالأحداث في القصة بعد كل جزء منها والسماح له بطرح الأسئلة، والابتعاد عن المبالغة في الخيال بالقصص أو الكذب لاكتساب ثقة الطفل، واختيار القصص التي تحتوي على تحفيز السلوك الإيجابي والتركيز على ما ترغب الأم بتقويمه لدى طفلها بشكل غير مباشر والابتعاد عن قصص الرعب التي تثير الخوف والقلق عند الأطفال واختيار نوع القصة الذي يناسب لكل مرحلة. فالأطفال بعمر 3-6 سنوات يفضلون القصص التي تحتوي على الحيوانات والمواقف المضحكة، أما الأطفال من عمر 6-10 سنوات فيفضلون القصص التي تحتوي على الإثارة والمغامرة، والأطفال من عمر 10 سنوات فأكثر يفضلون القصص الواقعية.
الكاتبة والمتخصصة بشؤون الأطفال، ديما الرجبي، تذهب الى أن الصغار يعتمدون في فهم محيطهم على خيالهم اللامحدود، لذلك جرت العادة منذ أيام الجدات أن يروين لهم قصصا قبل النوم لتحفيز مخيلتهم على اكتشاف عوالم جديدة، وكي يتنعموا بأحلام سعيدة، حيث إن اللاوعي يخزن الذاكرة الصوتية ويترجمها على شكل أحلام أو كوابيس.
وتكمن أهمية قصص الأطفال وقراءتها قبل النوم بتحسين مزاج الطفل وإشعاره بالأمان، ورفع مستوى ذكائه العاطفي والذهني، خاصة عند قراءة القصص التي تحتوي على صور ملونة كبيرة، وتعد هذه العادة المهجورة من أهم العادات لتوطيد علاقة الآباء بأبنائهم من خلال هذا الوقت الذي يسمح بالتواصل النفسي ويمد الطفل بالأمان.
لكن يبدو أن هذه العادات الجميلة بدأت بالاندثار نظرا للتغير الكبير الحاصل في العالم، خاصة بما يخص التكنولوجيا واهتمام الأبناء بها وهو ما يبعدهم عن هذه العادات المحببة، وينصح دائما بأن يكون هناك وقت عائلي يقرب الأبناء من الحياة الأسرية الطبيعية بعيدا عن عالم التكنولوجيا وإعادة إحياء عادة قراءة القصص قبل النوم لأطفالنا من الأمور المهمة لتحقيق هذه الغاية.