فتاة مولعة بالقصص، تخرج لها جنية بحجم عقلة الإصبع من بين ثنايا الحكاية، ولا يراها غيرها، وتزعم أنها حارسة الكتاب المسحور، ومن عشائر الجن التي تحمي المخطوطات العربية، وتحفظ التاريخ.
وتشير الحكاية إلى أشهر أماكن بيع الكتب القديمة في عالمنا العربي، سور الأزبكية في القاهرة، وشارع النبي دانيال بالإسكندرية، وشارع المتنبي بالعراق، وشارع سور الحلبوني في سوريا، وشارع نهج الدباغين بالخضراء تونس، وشارع الليدو بمدينة فاس المغربية.
أساطير عدة مرتبطة بتلك الشوارع التي تحميها الجنيات، زوجات الأقزام أو الثعالب الناطقة، وفقاً للمعتقدات الشعبية، إلا أن بعض تلك الشوارع طالها الدمار، بسبب الحروب والإرهاب.
لم تحمِ الكتب الأساطير، ولم تصد الجنيات يد الإرهابيين والمتطرفين عنها.
كانت هذه أحداث أجمل قصص مجموعة “بقايا جيل التسعينات”، الصادرة في يناير 2022 عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع،  للكاتبة بريهان أحمد، وهي العاشرة والأخيرة، عنونتها الكاتبة بـ”قصة الفتاة المسحورة”، أعادتني إلى ذكريات جيلي مع القراءة، وبعض الكتب التي أثرت في تكويني.
وتبدأ أحداث القصة في ليلة من ليالي شهر كانون الثاني/ ديسمبر عام 1999، حين يأخذ الجد حفيدته معه إلى مكتبته، ومن قصة الأطفال “بائعة الكبريت” للكاتب والشاعر الدنماركي الشهير هانس أندرسن، تأخذنا في رحلة مع القراءة والكتب التي ارتبط معظمها بطفولتنا، حيث تدخل بطلة القصة عالم جحا وتقرأ مغامرته مع المُهرّ والحمار، وتنهي رحلتها مع قصة سندريلا، وتسدل الكاتبة الستار على قصتها ومجموعتها بعبارة: “انتهت، لكن قصص المسحورين بسحر الكتب لم تنته، ولن، لا زال لدينا الكثير”.
تعتبر فترة تسعينات القرن الماضي واحدة من أكثر الفترات التي تثير حنين عدة أجيال، ولا سيما جيلي الثمانينات والتسعينات، وتتجلى مظاهر تلك النوستالجيا من وقتٍ لآخر في المناسبات الخاصة والأعياد، فيعاد بث بعض من أغاني ومسلسلات وأفلام وبرامج التسعينات، لتدخل الدفء والسرور على قلوب الجمهور، وتعيد إليه أجمل الذكريات.
ومؤخراً، امتدت مظاهر نوستاليجا التسعينات والثمانينات من شاشات التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة الفن والأدب، في محاولة لإحياء الذكريات، وإعادة قراءة واقع تلك الفترة من حياتنا، وتاريخ مجتمعنا.
في عام 2021 كان معرض «حتة ذكريات» للفنانة المصرية، سارة مدحت، في دار الأوبرا المصرية، الذي ضم نحو 40 لوحة لمطربي التسعينات والثمانينات، أعادت خلالها تدوير البلاستيك المصنوع منه أكثر من ست آلاف شريط كاسيت، وأقراص فلوبي ديسك، في محاولة منها لتخليد شرائط الكاسيت كجزء مهم من ذاكرة أجيال لم تعرف في طفولتها ومراهقتها الإنترنت.
بقايا حطام جيل التسعينيات

“كُنا كلما تقدم بنا العمر سنة -أقصد أنا وأبناء جيلي- شاهدنا حدثًا جديدًا يُدمي القلب، هي الحقيقة دون زيادة ولا نقصان، عاصرتُ وقتًا كانت غربان الموت تنعق فيه على أشلاء جثث أثناء كلّ حادثة جديدة”.
“أكتب لأثبت أن ما حدث داخلي من رفض… لم تكن طفولتنا خالية من المتاعب، كنّا كالإسفنجة، امتصصنا الأوجاع قبل أواننا… الآن أعيش نهاية الثلاثينات لأرتاح بمشارف الأربعينات…، فأنا بقايا حطام جيل التسعينيات”، هكذا كتبت الكاتبة والباحثة المصرية الشابة “بريهان أحمد” في تقديمها لمجموعتها القصصية، التي تحمل مواضيع متنوعة، ما بين الواقع وقضاياه الإنسانية، والأمراض النفسية، وأدب اللامعقول (الفانتازيا)، وأدب الرعب، فهي رحلة يرجع فيها قطار العمر إلى الخلف؛ حيث الماضي الذي لا ينفصل عن المستقبل؛ لأنها بقايا تجذرت فينا منذ 1992.

إذا نظرت إلى غلاف ذلك الكتاب، سيأسرك من أول نظرة، لاسيما إن كنت مثلي واحداً من أبناء جيل التسعينات، فبجانب اسمه الذي يثير النوستاليجا، ستقع عيناك على شريط كاسيت، والشعار القديم للإذاعة والتليفزيون المصري، والهاتف القديم ذي القرص، وصورة الشهيد محمد الدرة في حضن والده، بجواره تليفزيون قديم يذيع أنباء زلزال 1992، الذي هزّ ربوع البلاد، وصورة “الربع جنيه” الفضي المثقوب من المنتصف، وهو يشير إلى المصروف اليومي لأغلب أطفال هذا الجيل، وقد انقرض بالضرورة مع انخفاض قيمة الجنيه لأدنى مستوياته.

في قصتها المعنونة بـ”بقايا جيل التسعينيات”، قسّمتها إلى مجموعة غرف/ قصص، في كل غرفة/ قصة ترقص الكاتبة ببراعة بين الماضي والحاضر والمستقبل، عبر بطلتها الصحفية، التي لعبت الواسطة والمحسوبية دورها في تعيينها بجريدة قومية كبرى، قبل ثورة 25 يناير 2011، بسبب رفض مديرها المنتمي للحزب الوطني الحاكم آنذاك نشر تغطيتها الصحفية لانفجار كنيسة القديسين، ومقال رأي كتبته عن الواقعة، لتبدأ عقب الثورة كآلاف الصحفيين/ ات غيرها في التحول إلى الصحافة الرقمية، وتعمل عبر موقع إخباري عبر الإنترنت.

وتعيدنا “بريهان أحمد” إلى أجواء التسعينات في مصر؛ حيث النشرة الإخبارية التي كانت تُقدم على شاشة التلفزيون، بالأخص القناة الأولى في تمام الساعة التاسعة مساءً، والراديو الذي أصبح تراثاً، والصندوق التلفزيوني بقنواته الفضائية والأرضية، الذي يحل محله الهاتف بعالمه الافتراضي، وتستبدله الكاتبة في المستقبل بالنظارة الذكية، التي تجعلك في قلب الحدث خلال لحظة واحدة.
وتأخذنا الكاتبة في رحلة إلى عالم الذكريات الأليمة التي هزت وجدان جيل التسعينات، عبر حادث القطار رقم 832، الشهير بقطار الأموات، في صباح يوم الثلاثاء 20 كانون الأول/ فبراير عام 2002؛ حيث لقي 361 مصرياً مصرعهم في أسوأ حادث للقطارات في تاريخ مصر.
هو حادث احتراق قطار الصعيد المتجه من القاهرة إلى أسوان؛ كانوا في طريقهم لقضاء إجازة عيد الأضحى، مصورة حالة الرعب، والهلع، وتداعيات الحادث على نفوس الأطفال، والتناول الإعلامي للواقعة، مشيرة إلى برنامج “اختراق”، اُشتهِر وقتها، وكان يُعرض على القناة الثانية الأرضية.
وتأخذنا الصحفية “بيان” إلى الغرفة/ القصة الثانية، اسمها: “توابيـــــت الموت: الصندوق الأسود”، لتعيد إلى جيل التسعينات الذكرى الأليمة لحادثة غرق عبارة السلام 98، في فبراير/ كانون الأول عام 2006، التي راح ضحيتها أكثر من 1033 شخصاً، مستنكرة أن المتورط المالك للعبارة الذي كان عضواً برلمانياً ورجل أعمال لم تُرفع الحصانة عنه، لم يُحبس احتياطيّاً، لم يُمنع من السفر خارج البلد، بل سُهلت كافة الإجراءات له، ولابنه الهارب معه، وتقاضى مبلغ التعويضات من شركة تعويض السفن الغارقة.

“مَرّ أسبوع على “مصر” من أسوأ الأسابيع، الشوارع المصرية كانت مكتئبة، بعد ما رسمت على بوابات عمارتها “حج مبرور وذنب مغفور”، نصب العزاء بدلاً عنها، حتى الأغاني الشعبية تحولت لأصوات تُنوح على الذين رحلوا”، تكتب الباحثة، ساردة أجواء عامة صاحبت الحادث.
اغتيال تاريخ

وتعيدنا الكاتبة إلى حادثة استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في يوم 30 أيلول/ سبتمبر عام 2000، وتصفها بأنها أهم ذكرى حُفرت في تاريخ طفولة الأجيال التي جاءت بعد جيلها.
“إن جيلنا كان يتمتع بمشاهدة الحقائق كما يجب أن تكون، نأخذها من الجرائد وشاشة التلفزيون، لكن وقتنا الحالي أغلب الأطفال مشغولون بالـهواتف الذكية، وغرف العوالم الافتراضية، والكارتون، والأغاني الغربية، فضاعت الهوَيّة”.

“شاهدتُ طفلًا يُنازع الموت، يحمي جسده من الرصاص المُنهمر عليه، يتشبث بقميص والده محاولاً الانكماش داخل جسده، الحدث كان في بلد عربي عتيق اسمه (فلسطين)، مع تخاذلنا أصبح اسمه يُطلق على شارع من شوارعها، المهم حاول والده التلويح دون جدوى، لم تكن الصرخات كافية لإيقاف وابل من الرصاص غير الرحيم، رُغم ذلك صور الصحفي “طلال أبو رحمة” المشهد؛ ليفضح العدو أمام العالم، كلُّ رصاصة ثقبت جسد هذا الطفل اخترقت معها جسد البراءة، اغتالوا وقتها طفولتنا (أي طفولة الوطن العربي)”.
وتحكي الكاتبة كيف خرجت المظاهرات الغاضبة من مدارس مصر للتضامن مع محمد الدرة، ورفع الأطفال صوره، منددين بوحشية الاحتلال، وهم يمزقون علم إسرائيل الذي رسموه بأنفسهم.
بعد زلزال 1992، أحد أهم الأحداث التي شهدتها مصر خلال التسعينات، وأكثرها مأساوية، لذا تناولتها بريهان أحمد في كتابها، كتبت: “عن جيل الزلزال أتحدث، فأنا من مواليد شهر يونيو/ حزيران عام 1992؛ البقايا الشاهدة على تلك الأيام التي بقدر أوجاعها في ذاكرة طفولتنا التي ذكرتها إلا أنها الأفضل؛ لأنها لم تكن افتراضية.
“أنا بقايا جيل التسعينيات، جيل الأحياء الذين وثقوا الحياة بين ضفتي كتاب، فلم يستسلموا يومًا لتمزيق تاريخ الحياة الحقيقية، نحن بقايا ركام التمرد”.
وتقفز الكاتبة بالقارئ إلى المستقبل القريب، مصورة عالماً يسيطر عليه مجتمع ميتافيرس بقواعده التي ترجح كفة إسرائيل على حساب العرب، وتحاول طمس معالم القضية الفلسطينية، بحجة مخالفة معايير المجتمع، لتجد البطلة نفسها في النهاية مطرودة من الغرفة الافتراضية، التي تعتمد عليها بعملها الصحفي، بعدما تطرقت لحي الشيخ جراح .

وفي نظرة مستقبلية، تنبأت الكاتبة بأن تتغير الصحافة لتواكب التغيرات التكنولوجية، وتتغير أساليب الكتابة في الصحافة الإلكترونية من تصوير فيديو وكتابة الحدث أسفله، لتصبح التغطيات من خلال صنع عالمٍ ثلاثي الأبعاد، ليعيش فيها المتابع لفترة من الزمن، سواء كانت تاريخية، أو سياسية، أو ترفيهية.
تقول “بريهان أحمد” لرصيف22: “أحداث زلزال 1992، واستشهاد محمد الدرة، وغرق العبارة، وانتشار الجرائم التي يقوم بها مرضى نفسيون، هي أبرز ما أثّر على جيل التسعينات”.
قرأت بريهان العديد من الأعمال الأدبية، خاصة الروائية منها، في محاولة لمعرفة ما تجسد من تلك الأحداث، والذكريات في عالم الأدب، إذ سيظل عالقاً في عقول الأجيال القادمة، تقول: “هناك أعمال أدبية باقية في الوجدان تناولت زمن التسعينيات ببراعة، أبرزها رواية “ذات” لصنع الله إبراهيم”.
نحن اللا شيء

فكرت، وأنا أنهي المقال ألا أنهيه.
تساءلت حول الأجيال الأقدم، والأكبر سناً من جيلنا، ماذا تبقى من ذكرياتهم، وكيف أثر عليهم، وكيف عبروا عنها، وكما يقول الشاعر العربي القديم: “وبضدها تتميز الأشياء”.
كتب لي الروائي وحيد الطويلة، عندما سألته عن الأحداث التي شكلت جيله، وهو المولود في بداية الستينات، يقول, وقد فاجأني بسرده: “صباح باكر جداً في قريتنا، بالكاد عند السادسة صباحاً، صباح بارد، قرية تمطر لمائة يوم تقريباً، وأنا ابن العشر سنوات، أتهيأ لخطف رغيف من العيش، وبعض المخلل، لأنطلق باكراً للعب الكرة قبل بدء المدرسة”.
“كان باب غرفة أبي مفتوحاً، انقبض قلبي، لا يحدث ذلك إلا في المُلمّات، وأنا من منطقة يقع فيها كل يوم حادث مؤلم بحمولة الجهل، وغريزة العنف التي لا يفلّها حتى العنف، منطقة بدائية تماماً كأنها بعد ميلاد الخلق بقليل”.
“كان صوت أبي ينادي ملحاحاً، خفت، لكنني أحسست بقلب الطفل، أنّه إلحاح مكسور، ورغم ذلك دخلت بساقين ملفوفتين”.
“جمال عبد الناصر مات يا وحيد” قال والده.
تأثر الطويلة بالموقف، ويتساءل: لا أعرف الآن كيف تخطيته؟
قبلها، كانت نكسة 1967، ولعلها الحدث الأبرز في جيله، عندما لم يكتمل وعيهم بعد، يقول: “لم نكن شعرنا بعد بالهزيمة المنكرة في سبعة وستين، أتذكر فقط أنهم أخذوني في منظمة الشباب ممثلًا لأطفال الهزيمة، أتذكر مطلع القصيدة التي حفَّظني إياها أبي: “أنا طفل ولكني شباب”.
لمس تأثيرات النكسة في يومياته، فالسكر مثلاً صار يباع في عبوات بحجم كف الطفل، وكان عليه أن يتدبر واحدة حين شحّ لفتاة كان يحبها في المدرسة.
“لم نشعر بالحرب، لكننا شعرنا بالإشاعات، لا يلتقط أحدهم أي شيء من الأرض، العدو سوف يلقي أقلاماً وأزراراً مفخخة”.
ويضيف الروائي الستيني: “لم أقرأ روايات الحرب عندنا إلا من الجانب الإنساني، لم نصدق أننا انهزمنا، صدقنا بعض الشيء أننا ربحنا، خاصة عندما عاد الجنود المأسورين”.
وماذا عن تجسيد عالم الأدب لتلك الذكرى؟ يقول الطويلة: “كتب ناصر عراق في رواياته عن الحرب، كتب عبد العزيز موافي عن حرب أكتوبر ولم يلتفت أحد، كان بليغ حمدي أكثر تعبيرًا وربما علي إسماعيل”.
“انعكست الحرب على قريتنا وكتابتنا بشكل غير مباشر، لم يكن لدينا طريق معبد يصلنا بالطريق الكبير الذي يصل للمدن التي كانت بعيدة، أنشأوا لنا طريقاً من الميزانية المخصصة للحرب لأن رئيس البرلمان اختار منطقتنا النائية لينجح فيها بسهولة”.
“هذه هي الحرب التي ظهرت في كتابتي، إلا أنه ما كان يمكن لها أن تمر بشكل عابر هكذا، فنحن من منطقة بعيدة، نحن اللاشيء، نصدّر الجنود للحرب ونستقبلهم شهداء في هدوء ويقين بأن قدرنا هو ذاك، نحن لا شيء على الخريطة، وهم للأسف لا شيء في منطقتنا، لأنهم أولاد ناس غلابة، كان على الكتابة أن تنتصر لهم”.
“في روايتي “ألعاب الهوى” حين استشهد الجندي الذي خطب الفتيات الثلاثة، كان اسمه فوزي، خطفت أصواتهن المشاعر، نزعت القلوب من مكانها، لا لأنه مات، لكن لأن الفرح مات، لأننا لسنا أبناءه، كان البعض يهتف: مع السلامة يا فوزي، مع السلامة يا شهيد، البنات المخطوبات لعريس الجنة كن يهتفن في الجنازة، أيوه يا فوزي، اللي مالوش مالوش، اللي مالوش مالوش”.
“اللي ما لوش مالوش”، ينهي وحيد الطويلة حديثه معنا بهذه الكلمات، مما خلفني في حيرة وتساؤلات حول كثرة هذه الأحداث/ الذكريات “السوداء”، وقدرتها على نسخ نمطها الكريه في وعي كل جيل، من نكسة 1967 حتى الربيع العربي.
ظاهرة المسلسلات المكسيكية التي علّمتنا التقبيل في التسعينات
لسكاكر التسعينات طعم مختلف
سرديات التسعينات

اترك تعليقاً