Connect with us

فن

لا ثوابت للجمال ولا حدود للإبداع

Published

on

5
(1)

 495 اجمالى المشاهدات,  6 اليوم

الوقت المقدر للقراءة: 13 دقيقة(دقائق)

حميد سعيد
حين كنت أتأمل في ثنايا الموضوع الذي سأكتبه، قبل أن أضع العنوان أعلاه وقبل أن أذهب فيها إلى مرحلة الكتابة، كنت أرى الجمال بحالتيه، المادية والمعنوية، أما الإبداع فهو التعبير الجمالي عن فكرة ما، بالكتابة أو الرسم أو النحت أو الموسيقى أو العمارة، وليس من افتراق بين الإبداع والجمال، بل أن الإبداع هو أحد تجليات الجمال، فلا الجمال ومنه جمال المخلوقات جميعاً وجمال الطبيعة، ولا الإبداع بكل تحولاته وجمالياته، يمكن وضعهما في إطار مواصفات محددة من جهة، أو محاصرتهما بهذا يجوز وهذا ما لا يجوز من جهة ثانية، فجمال المرأة مثلاً تتغير مقوماته بين جماعة بشرية وأخرى، وبين مرحلة زمنية وأخرى، وهذا الاختلاف يظهر في كثير من المفردات الحياتية اليومية، بما فيها اللون سواء في رمزيته أم في جماله، فلكل مجموعة بشرية انطباعاتها بشأنه.
وسأذهب أبعد في قولي هذ، فأقول إن المحاصرة بهذا يجوز وهذا لا يجوز، لا ينصرف إلى الجماليات فقط، بل يشمل الفكر أيضاً، ونحن نعرف إن وضع أي حدود بين الفكر والجمال في الإبداع، يجرد الإبداع من صفته ويجعل منه شيئاً آخر، قد يكون مجرد فكرة أو مجرد شكل.
ولو تأملنا في التاريخ الإنساني من خلال رؤية موضوعية، بعيداً عن التعصب لما نعرف وما نشأنا عليه، لوجدنا إن الكثير مما كان يعد حقيقة مطلقة أو ثابتاً أو مقدساً، محمياً بالقناعات ومسوراً بالعصبيات أو بالفتوى المؤسسية والحدود الاجتماعية، أو القوانين الوضعية الصارمة، قد تغير بعد حين وتغيرت معه القناعات، فردية كانت أم عامة، وقد تنشأ عصبيات أخرى، ترى في المتغير الجديد، حقيقة مطلقة وثابتا من قبيل المقدس، وقد سبق لي أن كتبت في إحدى مقالاتي المنشورة في جريدتنا العرب، عن المتغيرات التي لا تدرك من قبل كثيرين، وإذا بنتائجها تفاجئهم وتعصف بهم وبثوابتهم.
إن الدرس الأهم في التاريخ الإنساني، هو أن العالم يتغير، ليس في مكوناته الكبرى، بل في معظم ما يمت بصلة إلى الإنسان وحياته، بما فيها المقومات الجمالية التي تقترن بالإبداع، والمتغيرات الجمالية لا تحدث مصادفة، وإنما نتيجة عوامل بيئية واجتماعية واقتصادية، وتلعب المؤثرات الخارجية، كالاحتكاك بثقافات أخرى معاصرة أو تراثية، دوراً في تلك المتغيرات، فالماضي بإنجازاته الجمالية يظل حاضراً وما هو جديد تكون علاقته بإنجازات الماضي الجمالية، علاقة تمثل لا علاقة نقل واستنساخ، فالتشكيلي العراقي جواد سليم وبخاصة في لوحاته « بغداديات» تمثل فيها إنجاز الرسام الواسطي في بعض خطوطها وألوانها ولكنه لم يستنسخها، فكانت بغداديات جواد سليم، إضافة مهمة إلى التراث التشكيلي البغدادي من جهة، ومثلت متغيراً جديداً من جهة أخرى، والتشكيليون العرب الذين أفادوا من جماليات الخط العربي، من خلال عملية تمثل لتلك الجماليات، لم تكن لوحاتهم التشكيلية شبيهة بلوحات الخط العربي ولم يعدوا في الخطاطين.
إن تأثير الإنجاز الجمالي لا يتحدد بمرحلة زمنية واحدة، بل يمتد بعيداً في الزمن، سواء كان هذا التأثير مباشراً، أي بمحاولة تمثل ذلك الإنجاز، أم بتشابه غير مقصود، وعلى سبيل المثال فقد نبه بعض النقاد إلى أن مخلوقات النحات المعاصر جيكومتي تحيل بشكل أو بآخر إلى محاولات النحات السومري المبكرة، وإن البناء التكعيبي لمنحوتة أسد بابل، وهي منحوتة فريدة في تشكلها النحتي، حتى كأنها قفزة في فضاء النحت الرافديني القديم، يمكن أن نرى فيه ما يقاربه في الفن التكعيبي.
وسواء كان التشابه الذي افترضته بين منحوتات جيكومتي والمنحوتات السومرية المبكرة، أو بين البناء النحتي لأسد بابل والفن التكعيبي المعاصر، تمثلاً أو مصادفة، فهذا ما يؤكد أن لا ثوابت للجمال ولا حدود للإبداع، وقد نتفق على أن الإبداع، ليس هو الفكرة أو الموضوع، بل هو التجلي في طريقة التعبير عن الفكرة أو الموضوع، فالروائي ميلان كونديرا، رأى أحد جوانب العظمة في الرواية، كونها تمنح حرية بلا حدود للابتكار، وعلى ذكر كونديرا، فهو يؤكد على ما ذهبنا إليه بشأن الإبداع في طريقة التعبير حين قال: «لقد قام شكسبير بإعادة أعمال كتبت من قبل آخرين» وما زال المتلقي في كل مكان وبمرور الزمن، يقرأ شكسبير من دون أن يلتفت إلى مصدر ما كتب، أو إلى أنه أعاد كتابة ما كتبه آخرون.
إن الإبداع الذي يتغير ويكون بعيداً عن الثوابت الجمالية هو الذي يغير تلك الثوابت الجمالية، وأذكر هنا، حادثة استثنائية بشأن قدرة الإبداع على تغيير الثوابت الجمالية، إذ أقدم النحات رودان على منحوتة لأحد البابوات في زمنه، وحين انتهى من تلك المنحوتة، قيل له، ولكنها لا تشبه البابا، فأجاب بكل ثقة: لكن البابا سيشبه هذه المنحوتة، وقرأت تعليقاً طريفاً على ما قاله النحات رودان، جاء فيه: نعم، إن البابا صار الآن يشبه منحوتة رودان، إذ كلما جرى الحديث عن ذلك البابا، اقترنت به صورة منحوتة رودان، حتى صرنا نراه، كما هو في منحوتة رودان، وهذا الأمر لا يتعلق بمنحوتة رودان فقط، بل أن كثيراً من الشخصيات التاريخية اقترنت صورتهم، بصورة تشكيلية أو منحوتة ما، رأيناها دون غيرها أو كنا قد رأيناها قبل غيرها من الصور أو المنحوتات لتلك الشخصية التاريخية، بل تنصرف هذه الحالة حتى إلى الصورة الفوتغرافية حيث تقترن صورة تلك الشخصية بالصورة أو المنحوتة التي رأيناها، حتى إذا شاهدنا غيرها، أحسسنا بأن الذي نراه شخصية أخرى، وعلى هذا الصعيد كنت قد رأيت صورة تخطيطية لخالد بن الوليد في كتاب التاريخ المدرسي، صارت هي خالد بن الوليد عندي، وكلما رأيت ما هو مختلف عنها في صورة أخرى أو في تشخيص سينمائي أ و تلفازي، أحسست أن في ذلك الاختلاف إساءة لصورته التي علقت بذاكرتي، وأذكر أنني، أشرت في مقالة لي تناولت فيها تجربة الفنان الفوتغرافي هيثم فتح الله عزيزة، حيث كانت متغيرات الصورة الفوتغرافية وتبادل التأثير بين التشكيلي والفوتغرافي، وفي كل مرحلة فنية، كان للجمال سواء في اللوحة التشكيلية أم الصورة الفوتغرافية مقوماته، حيث كانت صورة عزيزة الفوتغرافية تستلهم الكثير من مقومات التشكيل الحديث وتؤسس جمالياتها منفردة.
وأخيراً لابد من القول، إن الجمال ظل من إشكاليات الفكر على مر العصور، وهنا نذكر إن افلاطون من القدامى عده شأنا إلهياً مرادفاً للخير، بينما رآه «كنت» من المحدثين، كونه غاية تقصد لذاتها لا وسيلة لأي غاية أخرى.

source

تم النشر من قبل أبريل 9, 2022 @ 9:37 ص

ما مدى تقيمك ؟

انقر على نجمة لتقييم ذلك!

متوسط التقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذه الرواية.

كما وجدت هذه الروايه جيده ومفيده ...

تابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي!

Advertisement
Click to comment
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

Trending-ترندينغ

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x