تبدو رواية «إحدى عشرة دجاجة» للروائي الأردني محمد حسن العمري أنها موجهة للأطفال، لكن عنوانها الفرعي «رواية للصغار يقرأها الكبار» يجعلها حمالة أوجه، ويحيلها إلى فخ للقارئ لن يخلص منه، وسيقع فيه لا محالة.
سيقرأ الأطفال والفتيان الرواية على أنها قصة مجموعة من الدجاج، تسكن في قن واحد، تختلف أشكالهن وأصولهن، لكنهن يتعايشن بتوافق يضمن حدًا معقولًا من العدالة، وكأي مجتمع، تحدث انحيازات بين الدجاجات وصداقات وتنافس وغيرة، لكن عند الصعاب يتوحد الجميع في وجه الخطر، ويتسع الجزء المتبقي من القن للجميع، وعندما يهدد الوباء بالفناء، يتفقن جميعا على واحدة يبعدنها عن الخطر، ويتعهدنها بالحماية للحفاظ على جنس الدجاج، والرقاد على البيض الذي جمعته دجاجة حكيمة، وتنتصر الدجاجة المنتخبة على الإبادة البشرية، وتعيد البناء من جديد.
وهي رواية تحمل مضامين تربوية واجتماعية كثيرة، يجد فيها كل طفل أو فتى شيئا جميلا، وفائدة لا شك فيها، وتحمله على التساؤل والتفكير والتأمل في البدايات والمآلات. وفي المقابل، إذ أقرَّ الكبار أنها رواية تصلح لهم، وذات دلالات رمزية عميقة ومقلقة، فهذا اعتراف ضمني لا يحتمل التأويل، بأنهم مجتمع دجاحي أو مجتمع مدجن تتنازعه الخلافات، ويفتقد للعدالة، وتحف به الأخطار، ويتهدده الفناء، ولن يحافظ على البقاء إلا بالتوافق والحكمة وحسن التخطيط والتدبير.
تحاكي الرواية المجتمعات العربية المستضعفة، المثقلة بالمشكلات والأعباء، المحاطة بالأعداء، والمهددة بالأخطار، حيث المجتمعات المختلطة المتنوعة، والنزاعات والتحالفات المتغيرة حسب رياح المصالح، والجميع برسم الموت، حسب رغبة السادة وما يشتهون، وتزخر الرواية بالإشارات العميقة في المجالات كافة.
لا توجد عدالة ترضي الجميع في المجتمعات العربية، لكنها عدالة نسبية مزعومة تحقق الحد الأدنى من الرضى، تقول الدجاجة «سندس» المزهوة بجمالها وسلطتها: «لا بد من تقسيم القن، وليس أفضل من إحدى عشرة حصة، ليس بالضرورة أن تكون متساوية، يكفي أن تكون متكافئة» ومفهوم التكافؤ مفهوم فضفاض يسمح بالتجاوزات كافة وأكل الحقوق، وظلم الأضعف، والاستحواذ على الحصة الأفضل.
على الرغم من حالة الاختلاف والفرقة الظاهرة، إلا أن جميع الدجاجات اتحدن في وجه الخطر المتمثل في الكلب الذي هاجمهن ذات ليلة، مستغلًا نقطة ضعف في القن، واستطعن دحر الكلب وإلحاق الأذى به، فحمل وسمه إلى الأبد، وبالطبع أصيبت الدجاجات بالذعر، وجرح بعضهن، وذلك لا بد منه في سبيل الدفاع عن وطنهن، فلا نصر ولا بقاء بلا خسائر، وهكذا الأخطار توحد الجميع، وتزيل الخلافات إلى حين. وعندما انهار قسم من القن، وأصبح غير صالح للسكنى، انتقل الجميع إلى الركن الآمن الذي اتسع لهن كلهن، فسعة الوطن بسعة القلوب لا بحجم الأرض.
لا يعتني البشر بالدجاج حبا وزينة، أو رفقا بالحيوان، ولا يحمونه من الأعداء من أجل سواد عيونه، وإنما استغلالًا للبيض ما دامت الدجاجة قادرة على ذلك، ومن ثم مصيرها الفرن تقدم شهية للأفواه المتربصة، والبطون المتحفزة، وكذلك الدول التي تقوم على جيوب شعوبها بالضرائب على مختلف أنواعها، وإذا عجز المواطن لا بد من أن يكون هو الضريبة، وهذا من أعجب العجب، فأنظمة الحكم قامت في الأصل لتوفر العيش الكريم لمواطنيها، لا العكس الذي يحدث في كثير من دول العالم.
على الرغم من عداوة الكلب «منتهز» السافرة للدجاج، إلا أن تدخله أدى إلى إنقاذ الدجاجة «فجر» من الغرق في الطين بعيدا عن القن. الدافع وراء موقف الكلب صعب التفسير، لكنه ربما أشفق على الدجاجة وهو يراها تصارع الموت، وربما أراد نجاتها لتكون من نصيبه يوما ما، وإن كان كذلك، فلا يختلف عن صاحبة الدجاج؛ فهدفهما واحد في النهاية. مواقف يبدو ظاهرها خيرا، لكنها تخفي وراءها أمرا آخر، وشرا في الغالب، فلا ينخدع السذج بالتصريحات الإعلامية التي تنفخ إنجازات وهمية لتبدو للمغفلين عظيمة وخارقة.
حكمة الدجاجة «قرقة» أنقذت مصير الدجاج، فقد حرصت أن تخبئ كل يوم بيضة بعيدا عن سعدون وأمه، ولما حل الوباء، وأبيدت الدجاجات، وجدت الدجاجة «سندس» التي اختبأت ما ترقد عليه، لتحافظ على الدجاج ويستمر في الحياة كغيره من الكائنات.
عندما انتشر الوباء بين الدجاجات، اتفقن أن يخترن إحداهن لإبعادها عن الوباء لتحافظ على السلالة، إيمانا بما جرى عليه العرف قديما «أن الدجاج إذا أوشك على الهلاك استصلح بعضه، ودفع إليه بكل وسائل الحياة حتى لا ينقرض» وبعد تقييم للموقف جرى الاتفاق على الدجاجة «سندس» لحمايتها من الوباء، حتى تقوم بمهمتها العظيمة في الحفاظ على جنس الدجاج. وكما حدث في الاعتداء على القن، توحد الجميع، واستبعدت المصالح الشخصية، وكان هم الجميع هو المصلحة العليا، وهكذا كل مواطن، سيكون رصاصة من أجل الوطن إذا داهمه الخطر، حتى إن تواطأ البعض، فالمواطن لا يساوم على الوطن، بينما قد يساوم البعض لأن لديهم ما قد يخسرونه.
إبادة الدجاج بحجة منع انتشار الوباء، هي أسهل الطرق كما يبدو، فالبحث عن علاج غير وارد، وإنقاذ ما يمكن لا يهم، فالإبادة هي الأقل كلفة، والحل الأسرع، ويبدو أن هذا سبيل كل الطغاة؛ الخلاص مما يتعب ويقلق، لا البحث عن الأسباب وعلاجها. وفي هذا إشارة إلى ما يدور حول وباء كورونا وما رافقه من تكهنات بأنه وباء مقصود ومبرمج، وسواء أكنا نوافق أو نرفض هذا الرأي، فالأمر يستحق النظر، فلا شيء يأتي اعتباطًا في هذا الكون، وتجار الحروب يشعلونها كلما نقصت خزائنهم!!
حكمة الدجاجة «قرقة» أنقذت مصير الدجاج، فقد حرصت أن تخبئ كل يوم بيضة بعيدا عن سعدون وأمه، ولما حل الوباء، وأبيدت الدجاجات، وجدت الدجاجة «سندس» التي اختبأت ما ترقد عليه، لتحافظ على الدجاج ويستمر في الحياة كغيره من الكائنات. وهكذا كل حياة، تحتاج إلى حكمة وبصيرة ونظرة مستقبلية، فلا شيء يدوم على حاله، والأيام دول.
وجدير بالذكر أن الأدب العربي والعالمي حافل بالقصص والروايات التي اتكأت على الدجاج لإيصال رسائلها ومنها: «مذكرات دجاجة» للفلسطيني إسحق موسى الحسيني، و«حظيرة الدجاج» للسعودي جلال صادق العلي، و«الدجاجة التي حلمت بالطيران» للكوري صن مي هوانج.
وبعد، فإن «إحدى عشرة دجاجة» عمّان: دار خطوط وظلال، 2022، 66 صفحة، رواية في أحد عشر فصلًا، كتبت بلغة جميلة وسرد سلس، دون تعقيدات أو فذلكات، وهي مليئة بالإشارات الرمزية التي تشير إلى واقع مجتمعاتنا العربية وما يكتنفه من مشكلات وأخطار. وهي رواية يمكن أن تتحول بسهولة إلى عمل مسرحي ممتع، أو إلى فيلم رسوم متحركة مدهش. وهي الإصدار الروائي الثالث للأردني محمد حسن العمري بعد: «وهن العظم مني» 2008. «من زاوية أنثى» 2020. بالإضافة إلى بحث علمي بعنوان «الإيدز: مقبرة الجنس الحرام».
كاتب أردنيe

اترك تعليقاً