عمان- ضمن سلسلة كتب للأطفال، صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب للأطفال بعنوان “قول يا طير”، وهو مجموعة من حكايات للأطفال من التراث الشعبي الفلسطيني، قام بجمعها وإعدادها كل من الأستاذين الجامعيين المتخصصين في الأدب الشعبي شريف كناعنة، وإبراهيم مهوي، ورسم اللوحات الداخلية للمجموعة كل من: ضياء البطل، جنى طرابلسي، صفاء نبعة، أما التصميم الفني فقامت به الكاتبة والتشكيلية الراحلة منى السعودي.
يضم هذا الكتاب حكايات من التراث الشعبي الفلسطيني تم اختيارها وإعدادها في طبعة خاصة بالأطفال بأسلوب مبسط من قبل الأستاذين، لقيمتها التراثية والفنية “جمالياتها وحسن أدائها”، ولما تبرزه من ملامح الثقافة الشعبية في فلسطين، ولأنها الحكايات الأكثر رواجاً بين أبناء الشعب الفلسطيني.
الهدف من إصدار هذا الكتاب التراثي، كما يشيران، هو “الحفاظ على فن قصصي نسائي كان واسع الانتشار عندما كان الشعب الفلسطيني يمارس ثقافته في وطنه وعلى كامل أرضه”، وكذلك تقديم صورة علمية وموضوعية للثقافة العربية النابعة من أرض فلسطين ومن تراثها الإنساني الذي تضرب جذوره في عمق التاريخ، وقد قام برسم لوحات هذا الكتاب ثلاث فنانات تشكيليات، وصممه وأعده فنياً وأشرف على إنتاجه الفنانة التشكيلية المعروفة الراحلة منى السعودي.
وحول “القصة الشعبية التراثية”، كتب د. شريف كناعنة ود. إبراهيم مهوي، دراسة في الحكاية الشعبية الفلسطينية، يقولان: “إن فلسطين كما في البلاد العربية جميعا، القصة الشعبية الخرافية، مثل القصص الموجودة في هذا الكتاب، هي إحدى صيغ التراث الشعبي الفني الشفوي، وهي “تراث”، لأنها متوارثة جيلا عن جيل وليست من اختراع رواتها، أو من تأليفهم، وهي “شعبية”، بمعنى أنها ملك لعامة الشعب، ليس لها مؤلف معروف، وليست ملكا لفرد أو لفئة محددة، وهي “فنية”، بمعنى أنها وسيلة للتعبير عن الأفراد والجماعات وعبر الزمان والمكان مشافهة بواسطة الكلمة المنطوقة، وهذا الفن الشعبي الشفوي فن نسوي، تنقله إلينا أمهاتنا وجداتنا عن أمهاتهن وجداتهن.
إن هذه الحكايات ترويها نساء في عمر متقدم في إطار من الجو العائلي الحميم، ويعني أن مستمعي هذه الحكايات هم عادة أطفال العائلة ونساؤها، وهناك نساء محددات يروين هذه القصص، إلا أنهن لا يدعين تأليف هذه الحكايات أو ملكيتها، إنهن حملة هذا التراث، لذلك فإن هذه الحكايات ملك للمجتمع الفلسطيني كله، والصوت الذي ينقل هذه الحكايات هو صوت المجتمع الفلسطيني كله. إن الصوت نفسه الذي نسمعه من خلال الأمثال الشعبية وغيرها من أنواع التراث القولي الفلسطيني. وبعكس التراث المادي، الذي يمكن أن يضيع أو يتلف، فإن التراث القولي غير ملموس وهو محفوظ في الأذهان والخيال. فهو لا يضيع ولا يتلف”.
ويتابعان “إن العائلة في المجتمع الفلسطيني التقليدي، كما في المجتمع العربي بشكل عام، فالمرأة هي من تحمل الهم الرئيسي، وإذا نظرنا إلى الحكايات الموجودة في هذا الكتاب، نجد أن العائلة والمجتمع المحلي هما مركز الأحداث في كل منها. وبما أن النساء هن اللواتي يروين هذه الحكايات، هي تنبع من حياتهن وتصورهن، فمن الطبيعي أن تكون الشخصيات الرئيسية والفعالة في الحكايات من النساء، والنساء هن اللواتي يؤدين الأدوار المهمة التي تحرك مسيرة القصة”.
ويعطيان مثالا على أن النساء هن اللواتي يروين الحكايات مثل بعض الأمثلة نجد أن قصة “طنجر طنجر”، ليس فيها أبطال ذكور، بل إن البنت هي التي تعتني بالأم وتوفر لها ما تحتاج إليه، وهي لا تريد أن تجلس على الرف وتكون سلبية. وفي حكاية “الطير الأخضر”، نرى أن الخالة الشريرة تقتل زوجها لكن الأخت تنقذ أخاها، أما حكاية “العصفورة الصغيرة”، فلا يمكن إخضاعها، وهي أقوى من الرجل الذي يريد تحطيمها، وفي حكاية “الخنفسة”، فإنها تخرج للتفتيش عن عريس، بعكس ما هو مقبول في المجتمع وتعود دائما لتستشير أمها في من يطلب يدها.
وهناك أسباب عدة لاستمرار الحكاية الشعبية عبر آلاف السنين. أولا، حقيقة أن الحكايات فيها كثير من العناصر السحرية الغريبة التي تستهوي خيال الأطفال فقط، بل خيال الكبار أيضا، وثانيا، أن الحكايات لا تهتم بالفرد وإنما بالحاجات والهموم والرغبات والعواطف لبني الإنسان بشكل عام، وبذلك فإنها تصلح لتعليم الأطفال عن الحياة حتى قبل أن يصبحوا قادرين على فهم معنى الحكايات بصورة كاملة. وقد تحتاج الحقائق والأحكام الكامنة فيها إلى سنين عديدة لهضمها والقبول بها، وثالثا، فإن الحكايات عادة تبعث على المتعة والراحة لأن لها نهايات سعيدة لكنها لا تبدو سطحية أو مفتعلة، وهي تقدم صورة رمزية معقدة للعلاقات النفسية والاجتماعية بين أفراد المجتمع المحلي.
وهذه الحكايات لا تنكر وجود الشر، وإنما تعرض صورة متوازنة يتعايش فيها الخير والشر وهي تقدم نظرة متفائلة للحياة ينتصر فيها في النهاية الخير على الشر، كما في حكاية “الطير الأخضر”، “الشاب الشجاع”، “الغولة العجوز”، ومن أعقد وأمتع الشخصيات في الحكايات الخرافية الفلسطينية شخصية الغول أو الغولة. وهي شخصيات الغيلان هذه ليست شخصيات من عالم الجن أو الشياطين، إنها تمثل الجانب السلبي أو الشرير من السلوك الإنساني، ويظهر ذلك في أن الغيلان يتصرفون كما يتصرف بنو الإنسان عندما يفقدون القدرة على التحكم في شهواتهم وأطماعهم وأهوائهم؛ يأخذون بالقوة ما لا يملكون، كما يحدث في حكاية “الشاب الشجاع”، أو بالحيلة كما في حكاية “الغولة العجوز”، أحيانا ينجبون أطفالا مثل بني الإنسان، لكنهم يتصرفون بطرق تضعهم خارج سيطرة المجتمع، ولذلك نجدهم يعيشون في الكهوف والبراري، كما في حكايتي “الغولة العجوز” و”الشاب الشجاع”.
الحكمة في هذه الحكايات تكمن في الرؤية نفسها التي تنظر إلى شؤون بني الإنسان، كما قلنا سابقا، ومن وجهة نظر عالمية مطلقة من دون تحيز أو تحزب، صحيح أن أحداث الحكايات تجري في إطار فلسطيني، لكن الشخوص وأعمالهم يمثلون بني الإنسان ككل في أعالمهم ورغباتهم وعواطفهم.
الصراعات عالمية، قصة “العنزة العنيزية”، مثلا، تعلمنا أن المظلوم لا يكون عديم القدرة إذا قرر المجتمع مساندته، ويمكننا القول إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من القصة يتعلق بمقاومة الظلم، وحكاية “الحطاب”، تعلمنا أن نتائج الجشع والطمع والأنانية وخيمة، ولسنا بحاجة إلى دراسة كل حكاية على حدة للتأكد من مدى حكمة هذه الحكايات.
وتعد الحكايات مستوى آخر من مستويات الهوية، وهو المجتمع المحلي، نستطيع مثلا أن نرى تلك الحقيقة من خلال القصص التي تظهر فيها مشاركة المجتمع المحلي ككل. في حكاية “القملة”، مثلا، نجد أن واحدا “وهو حتى ليس إنسانا”، يؤدي بشكل طريف إلى دمار المجتمع المحلي واختفائه، وتؤكد حكايات “العجوز والبس”، “العنزة العنيزية”، “الغولة العجوز”، أهمية المجتمع المحلي أيضا. وفي قصة “جبينة”، تتخطى وحدة المجتمع المحلي بني الإنسان لتضم الطبيعة والحيوانات الداجنة والطيور البرية.
هنالك نواح أخرى في الحكاية تزيد في تكامل الهوية وتماسكها، ومن ضمنها البيئة الطبيعية التي تجري فيها أحداث القصة؛ فالمزبلة والطابون وبئر الماء كانت كلها من المعالم المميزة للقرية الفلسطينية، والبيئة الطبيعية التي تقع فيها أحداث الحكاية بيئة فلسطينية، كما تظهر في حكاية “الخنفسة”، التي تأخذنا في رحلة في الريف الفلسطيني بين عكا وطبرية.
وتبقى اللغة أهم معلم من معالم الهوية الفلسطينية، وهنا يجدر أن نتذكر أن هذه القصص كانت دائما تروى شفويا أمام ناس حقيقيين، ولم تكن تقرأ من الكتب، وكانت القصص دائما تحكي باللهجة المحلية، سواء كانت لهجة الجليل أو نابلس أو غزة أو الخليل أو غيرها، وكل ما نحتاج إليه لندعم ما نطرحه أن نفكر في ردات فعلنا عندما نسمع شخصا مصريا أو لبنانيا يتحدث بلهجته العامية المحلية، في حالة كهذه يكون أول ما يتبادر إلى ذهننا، أو ما يحدث، هو أن هذا الشخص مصري أو لبناني. ذلك هو السبب الذي جعلنا نحتفظ بالحكايات بلغتها الأصيلة التي رويت بها، أي اللهجة الفلسطينية المحلية، ملطفة بفصحى مبسطة لتسهل قراءتها في فلسطين والبلاد العربية الأخرى، ونضيف هنا أن كتابتنا لهذه الحكايات باللهجة التي رويت بها أصلا هي طريقتنا لإظهار احترامنا للتراث وللأمهات والجدات اللواتي روين هذه الحكايات بتلك اللهجة.

اترك تعليقاً