“أنا فرنسي في الخارج.. ولكن في بلدي مجرد غريب”. هذا هو لسان حال الكثير من مسلمي فرنسا الذين اضطروا إلى الهجرة من البلاد التي نشأوا وعاشوا فيها هربا من “التمييز” وبحثا عن حياة أفضل، بحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز“.

ومن أولئك الذين اضطروا للسفر والاستقرار خارج بلاده، الروائي والكاتب الدرامي، صبري لواتا، الذي فضل العيش في الولايات المتحدة مع زوجته الفرنسية وطفلهما.

وأوضح لواتا، الذي يقيم في مدينة فلادلفيا مع وزوجته، الخبيرة اقتصادية، والتي تعمل في جامعة بنسلفانيا، أنه يأمل أن يعود يومًا ما إلى البلد الذي تنتشر فيها رواياته، مشيرا إلى النجاح الذي حققه المسلسل التلفزيوني الفرنسي الذي كتبه تحت عنوان “الهمجيون “، والذي بث في العام 2019، ويظهر فيه رئيس فرنسا من أصل عربي.

ولكن بعد ذلك بعامين، أصبح لواتا ينظر إلى مسلسله على أنه مجرد “طفرة”، فعندما بدأ في كتابة الموسم الثاني، بقصة تركز على عنف الشرطة، وهو أحد أكثر المواضيع حساسية في فرنسا، لم تقبل الشركة إنتاجه لأسباب قال إنه لم يتم توضيحها له أبدًا، بينما قالت متحدثة باسم قناة “كانال بلس” أنهم خططوا لإنتاج موسم واحد من المسلسل.

ويعتبر لواتا، 38 سنة، وهو حفيد مهاجرين مسلمين من الجزائر: “إن هجمات 2015 هي التي دفعتني للمغادرة لأنني فهمت أنهم لن يغفروا لنا”.

وتابع: “عندما تعيش في مدينة ديمقراطية كبيرة على الساحل الشرقي من الولايات المتحدة، تكون في سلام أكثر من باريس، حيث تكون في عمق مرجل يغلي بالماء”.

“هجرة العقول”

من جانبه أوضح الأستاذ في مركز العلوم السياسية والقانون العام وعلم الاجتماع بجامعة ليل، أوليفييه إستيفيز، والذي أجرى مسحًا لـ 900 مهاجر فرنسي مسلم وأجرى مقابلات متعمقة مع 130 أن أولئك “هؤلاء الأشخاص ينتهي بهم الأمر بالمساهمة في اقتصاد كندا أو بريطانيا”.

وأردف: “فرنسا تطلق النار على نفسها حقًا” في إشارة إلى هجرة العقول التي تؤثر على اقتصاد البلاد.

وبشكل منفصل، أجرى باحثون في ثلاث جامعات أخرى وهي جامعة لييج و جامعة لوفين في بلجيكا وجامعة أمستردام في هولندا بحثا مشتركا يبحث في هجرة المسلمين من فرنسا وبلجيكا وهولندا.

وقال الباحث الفرنسي المشارك في الدراسة في جامعة لييج في بلجيكا، جيريمي ماندين، إن العديد من الشباب الفرنسي المسلمين أصيبوا بخيبة أمل “لأنهم لعبوا وفقًا للقواعد، وفعلوا كل ما طُلب منهم، وفي النهاية لم يتمكنوا من الحصول على حياة جيدة”.

ويوضح لواتا أن الأماكن التي استقر فيها هو وآخرون، بما في ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، ليست جنة خالية من التمييز ضد المسلمين أو الأقليات الأخرى، لكن الذين تمت مقابلتهم قالوا إنهم شعروا بقبول أكبر هناك.

وقال البعض منهم أنه ولأول مرة ، لم يتم التشكيك في حقيقة أنهم فرنسيون، ولكن ذلك للمفارقة حدث معهم خارج بلادهم.

وفي هذا الصدد يوضح عمار مكروس، 46 سنة، الذي نشأ في إحدى ضواحي باريس : “أنا فرنسي فقط في الخارج.. أنا متزوج من امرأة فرنسية وأتحدث الفرنسية وأحب الطعام والثقافة الفرنسيتين، لكن في بلدي أنا لست فرنسيًا”.

وبعد أن اكتشف مكروس، على حد قوله أن المسلمين الفرنسيين، باتوا يعانون من الاضطهاد عقب هجمات 2015، قرر الاستقرار مع زوجته وأطفاله الثلاثة في مدينة ليستر بإنكلترا.

وفي عام 2016، أنشأ مجموعة فيسبوك للمسلمين الفرنسيين في بريطانيا، والتي تضم الآن 2500 عضو.

وقال إن الوافدين الجدد إلى بريطانيا زادوا قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مضيفًا أن معظمهم من العائلات الشابة والأمهات العازبات اللواتي يجدن صعوبة في العثور على وظائف في فرنسا لأنهن قررن ارتداء الحجاب الإسلامي.

أما إلياس صافي، 37 عامًا، الذي يعمل مديرا للتسويق في StoneX، وهي شركة مالية أميركية في لندن، فقد نشأ هي بلدة صغيرة في شرق فرنسا، حيث استقر والداه هناك بعد وصولهما من تونس في سبعينيات القرن الماضي، حيث كان والده يعمل في أحد مصانع النسيج.

وأوضح صافي أنها هاجر إلى لندن لبدء جديدة، حيث التقى هناك بزوجته الفرنسية، ماتيلد، موضحا أنه وجد في بريطانيا “تنوعًا بسيطًا” لا يمكن تصور حدوثه في فرنسا.

وتابع: “في عشاء الشركات، قد يكون هناك بوفيه نباتي أو بوفيه حلال، لكن الجميع يختلطون مع بعض، ويظهر الرئيس التنفيذي وهو مرتديا عمامته السيخية ويتحدث مع الجميع ببساطة وود”.

مخاوف.. وإحصائيات

وأقر صافي وزوجته أنهما يفتقدان فرنسا، ولكنهما لا يفكران في العودة إليها حاليا بسبب مخاوف تتعلق بابنهما البالغ من العمر عامين، وهنا تقول الزوجة ماتيلدا: “في بريطانيا، لست قلقة بشأن تربية طفل عربي”.

وفي عام 2020، ارتفعت الأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا بنسبة 52٪ مقارنة بالعام السابق، وذلك وفقًا للشكاوى الرسمية التي جمعتها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التابعة للحكومة الفرنسية.

وبشكل عام ارتفعت تلك الأعمال في العقد الماضي، قبل أن تقفز بشكل حاد عقب الهجمات الإرهابية التي استهدفت باريس في العام 2015.

ووجد تحقيق رسمي نادر في عام 2017 أن الشباب الذين يُنظر إليهم على أنهم عرب أو سود كانوا أكثر عرضة 20 مرة لفحص هوياتهم من قبل الشرطة.

وفي مجال العمل، كان لدى المرشحين للوظائف الذين يحملون اسمًا عربيًا فرصة أقل بنسبة 32٪ في أن يتم استدعاؤهم لإجراء مقابلة بحسب تقرير حكومي صدر في نوفمبر الماضي.

فعلى على الرغم من شهاداتها في القانون الأوروبي وإدارة المشاريع، قالت مريم غروبو، 31 عامًا، إنها لم تتمكن أبدًا من العثور على وظيفة في فرنسا، وأنها عملت في الخارج لمدة أعوام مع منظمة الصحة العالمية في جنيف، ثم في السنغال في معهد باستير في داكار.

ولكن مريم، وهي من أصول أفريقية مسلمة، عادت مؤخرا إلى باريس مع والديها، قائلة: “الشعور بأنني غريبة في بلدي أمر مزعج” مشيرة إلى أنها قررت البحث عن فرصة عمل في الخارج لكي تشعر بالراحة عند ممارسة شعائرها الدينية.

source

اترك تعليقاً